الصفحة الرئيسية

مات واقفاً

سيرة الشاعر

عطاء الشاعر

الأدباء والشاعر

دواوين الشاعر

مسرحيات الشاعر

مذكرات الشاعر

صور الشاعر

آراء في الشاعر

الأنترنت والشاعر

جبل النار

النيازك

جنود السماء

الى متى ...

قصيدة مختارة

كما عرفناه

عن جنين

 

 

  زوار الشاعر أتصل بنا

شذرات شعرية

  بيبلوغرافيا الشاعر   فارس السيف والقلم
 

 

برهان الدين العبوشي

كما عرفناه وعايشناه (*)

 بقلم: سماك برهان الدين العبوشي

مقدمة :

كُتبَ الكثيرُ عن والدنا الشاعر المجاهد الراحل برهان الدين العبوشي، وتطرق النقاد والباحثون إلى عطائه الأدبي وسيرته النضالية، غير أن الجانب الإنساني من حياته وما يحمله وجدانه من مبادئ ميزت شخصيته الاجتماعية ظل مجهولاً حبيس ذكريات أفراد عائلته والمحيطين به. ولقد كانت التفاتة  كريمة من "مؤسسة فلسطين للثقافة" حين اقترحت بأن نقوم وبالتعاون معها بإعداد ملف خاص عن والدنا ( رحمه الله ) يتم فيه تسليط الأضواء على الجوانب الإنسانية والاجتماعية من حياته والمبادئ التي آمن بها وجاهد من أجل غرسها في أبنائه من جانب، وانعكاس هذه المبادئ في طريقة تعامله مع طلابه ومن التقى بهم وتعامل معهم من جانب آخر ، لتقوم المؤسسة مشكورة بنشر هذا الملف عبر صفحات موقعها الكريم بعد أن تضيف له ما ترتئيه من فقرات خاصة عن الشاعر الراحل، ولم استغرب هذه الدعوة الكريمة من لدن المؤسسة لأنها ببساطة شديدة كانت قد عودتنا على إبراز دور روّاد الثقافة الفلسطينية والتنويه عنهم في كل مناسبة عكس ما درجت عليه المؤسسات الثقافية المرتبطة بوزارة الثقافة الفلسطينية، فقد سبق للمؤسسة الكريمة أن قامت بإعادة طباعة ونشر إحدى مسرحيات والدنا الشعرية الموسومة " شبح الأندلس " الصادرة في بيروت عام 1949 على نفقتها الخاصة، تلته بالتفاتة كريمة أخرى حين سلطت الأضواء على موقعه الخاص في شبكة الإنترنت الذي قمنا بتأسيسه بجهود شخصية عام 2006، كما وعدتنا بأن تقوم بإعادة طباعة المجموعة الأدبية الكاملة له عندما تتاح الفرصة ،  فكانت بالتفاتاتها الكريمة المتعاقبة تلك سبـّاقة في كسر ذلك الجمود والإهمال الذي لف اسم وسيرة وعطاء والدنا، في الوقت الذي وقع عدد من المواقع الثقافية العربية ( ومنها بعض مؤسسات وزارة الثقافة الفلسطينية !!) في خطأ جسيم حين ذكرت أن شاعرنا الراحل قد انتقل إلى جوار ربه الكريم عام 1970 دون أن تجهد نفسها في دقة نقل المعلومة وتصحيح الخطأ عند وقوعه، فكانت بذلك قد شطبت ( سهواً !!) فترة ربع قرن من حياته وعطائه ومعاناته، والأغرب والأنكى من ذلك كله أن تكريم والدنا بشهادة الاستحقاق ووسام القدس للثقافة والآداب و الفنون قد تم في حياته عام   1990 ببغداد وعلى يدي رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية الراحل السيد ياسر عرفات ( رحمه الله ) شخصيا... فلا غرابة أن يطلق على والدنا لقب " الشاعر المنسي"!!!؟.

لقد كان للحفاوة والتكريم الذي لقيه والدنا الشاعر المنسي على يدي "مؤسسة فلسطين للثقافة" وبعض المواقع الأدبية العربية و ( الفلسطينية ) أكبر الأثر في تسليط الأضواء على شاعر أعطى أكثر مما أخذ ، في الوقت الذي سلطت الأضواء على بعض ممن ( امتهن ) الأدب فجعله مورد كسب ورزق و ( تسلق للمناصب و الإمتيازات !! ) فذاع شأنها وانتشر اسمها كانتشار النار في الهشيم دون أن يرقى عطاء ( بعض ) هؤلاء إلى مستوى إرهاصات ومعاناة وصدق والدنا ( المغيب قسراً ورغم أنفه!!) والذي حمل القلم بيمناه والسيف بيسراه فكان مثالاً للشاعر المعطاء المضحي الذي منح وطنه وأمته زهرة شبابه ووهب قضيته جلّ وقته وكلّ تفكيره دون أن ينتظر المقابل ( التافه!!) كما انتظره ( بعضهم !!)، فراح الشباب العربي في فلسطين وخارجها يتساءلون عن تاريخ  هذا الشاعر المجاهد وعن أسباب عدم شهرته رغم عطائه الشعري المتميز والغزير المقترن دوماً بصنوف الاضطهاد والظلم والاعتقال والتشريد والإبعاد عن وطنه قسراً وجوراً حتى وصل الأمر بإحدى المواقع الثقافية الفلسطينية الرصينة ( شبكة فلسطين للحوار تحديداً ) أن أطلقت تساؤلاً ًمن خلال موقعها بعنوان ( ماذا تعرف عن الشاعر المظلوم !؟) في إشارة صريحة لما لحق بوالدنا من تغييب وإجحاف وغبن دون سواه من رواد الشعر الفلسطيني . ولا يسعنا إزاء ما تبذله "مؤسسة فلسطين للثقافة" من جهد متميز في إنعاش الذاكرة الفلسطينية بموروثها الثقافي والحضاري وإبراز دور روادها إلا أن نسجل كامل اعتزازنا وعظيم تقديرنا ونخص بالذكر الأستاذ الفاضل الدكتور أسامة جمعة الأشقر المدير العام للمؤسسة والأستاذ المبجل سمير عطية نائب المدير العام والأستاذ الجليل محمد أبوعزه المدير التنفيذي وكافة منتسبي المؤسسة الكرام متمنياً لهم جميعاً دوام الصحة والعافية ولمؤسسة فلسطين للثقافة الموفقية والسداد. 

وختاماً ... فإنني أسأل الله العلي القدير أن أكون قد وفيّت جزءاً يسيراً من حق والدي الذي فارق هذه الحياة عام 1995 فأكون ولداً صالحاً باراً تشبهاً واقتداءاً بمقولة رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وسلم ): " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له".

أولا-  هل كان شاعراً منسياً و مظلوماً!؟:  

تتباهى الأمم والشعوب دوما بما لديها من رموز ثقافية وعلمية ، فتعمل جاهدة على رعايتهم والاهتمام بشؤونهم وتسلط الأضواء على منجزاتهم وتتفاخر بها في مهرجانات تنظم لهذا الغرض، وهذا ما نراه جليا في دول العالم المتقدم التي تحترم تاريخها وإرثها الحضاري والإنساني ، فتعيد إلى أذهان أجيالها اللاحقة ذكرى من فارق الحياة من رموزهم وصناع تاريخهم وبناة مجدهم وتنشر منجزاتهم وتشيد بها إكراما وتخليدا لهم واعتزازا بصنيعهم وجهدهم. غير أنني ، وللأسف الشديد ، لا أرى من نهج هذه الامم ( المتحضرة ) الصادقة مع نفسها ومع رموزها ما ينطبق على واقعنا المُعَاش شيئا مماثلا ، بل العكس هو الصحيح تماما، وفي سبيل توضيح ما ذهبت اليه فإنني سأكتفي بذكر حدثين من فيض غيض :

1- نشر موقع صحيفة دنيا الوطن الالكترونية – منبر دنيا الوطن بتاريخ 24/2/2006 مقالاً لي تحت عنوان " فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم !!" ( * * ) تطرقت فيه إلى خبر كان قد نشر في موقع ( المركز الثقافي الفلسطيني – بيت الشعر ) يتحدث عن حفل تكريم لوالدي ( رحمه الله ) كان قد أقيم في مسقط رأسه في ( مدينة جنين ) كان قد حضره عدد من السادة المسئولين آنذاك كان في طليعتهم السيد زهير المناصرة ( محافظ جنين ) والسيد الشاعر المتوكل طه ( رئيس المركز الثقافي الفلسطيني – بيت الشعر ) و الدكتور سمير شحاده ( أمين عام المؤسسات الوطنية في السلطة الفلسطينية ) وممثلين عن عائلة الشاعر المحتفى به ، وجاء في الخبر الذي أفرحني ( لأول وهلة ) أنه قد تقرر توقيع اتفاقية لتأسيس ديوان للشعر العربي في ( جنين ) تحت مسمى ( مركز برهان الدين العبوشي ) ليكون بمثابة بيت للشعر هناك، هذا كما جاء بالخبر أنه قد تقرر إقامة نصب تذكاري للشاعر مع التنويه لسعيهم في جمع كافة أعماله وموروثه الأدبي لإعادة طبعها على نفقة السلطة الفلسطينية ( حال توفر الإمكانيات المالية !! ) وذلك تخليدا له وإقرارا بدوره الريادي في المجالين الأدبي والنضالي من تاريخ شعبنا العربي في فلسطين. 

ولشد ما آلمني واعتصر فؤادي أن أعرف بأن الخبر المذكور آنفا لم يكن إلا ( ذرا للرماد في العيون ) كما يقولون في الأمثال عندنا ، حيث لم يتحقق من بنود هذا الخبر شيء يذكر عدا تلك الكلمات الخطابية الرنانة ( التي نتقنها تماماً !!) ألتي أشِـيد فيها بدور الشاعر (برهان الدين العبوشي ) والتي ألقاها الحاضرون ساعتها فأمتلأ الجو آنذاك حماساً و تصفيقا وهتافاً وترحيبا ؟!. وأتساءل بدوري والعبرة تخنقني … متى يحين الوقت ليتمخض جبلنا فيلدَ جبلا شامخا ... لا فأرا صغيرا كما تعودنا وألِفـنا ؟. ومتى تكون لرموز تاريخنا العربي الفلسطيني تلك الأحقية بالرعاية ( الصادقة و الشفافة ) من قبل قادة مؤسساتنا الثقافية الفلسطينية فلا يُغْـمَط ُ حقهم يوما ولا يُتَاجَر بأسمائهم ولا تكون وسيلة لأغراض دعائية أو سياسية أوانتخابية ، وإلا فبماذا يُفَسّرُ هذا الإهمال والنكث بالوعود التي تبخرت حال انفضاض ذاك الحفل التكريمي!؟.

2- حين أشرت صراحة إلى تقصير وزارة الثقافة الفلسطينية وما يرتبط بها من مؤسسات في إبراز دور الرواد من مثقفي فلسطين وعدم النزاهة والشفافية بالتعامل مع مثقفي وأدباء فلسطين على حد سواء واقتصار اهتماماتها في (محاباتها!!) لعدد محدود ممن التصق بمنظمة التحرير الفلسطينية فتناست دور والدنا ( رحمه الله ) النضالي وريادته الشعرية والتي ابتدأت من ثلاثينات القرن الماضي ، فإنني بذلك لم أجانب الحقيقة، فاتهامنا يستند على حقائق موضوعية وشواهد ولعل تأخر تكريم والدنا من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية وعدم إدراجها لأسمه ضمن الوجبة الأولى التي شملها التكريم بوسام القدس للثقافة والآداب والفنون خير دليل على ذلك، وما يدعم اتهامنا هذا تلك المقالة المنشورة في أحد مواقع الانترنت بقلم الكاتب الصحفي الأستاذ الفاضل هشام عودة والتي أشار فيها عن ملابسات تأخر تكريم والدي وكيف أنه خاطب مكتب السيد أبي عمار ببغداد ينبههم إلى سهوهم في عدم إدراج إسم والدي ضمن قوائم المحتفى بهم من رواد الثقافة والأدب الفلسطيني فكان ذلك سبباً مباشراً في استدراك السلطة الوطنية الفلسطينية لهفوتها تلك وأرسلت بيد السيد عزام الأحمد دعوة خاصة منفردة لغرض تكريم والدنا. 

إن والدنا لم يأخذ حقه الطبيعي من الانتشار عربياً رغم عطائه الأدبي وريادته الشعرية ومصداقية ما طرحه وحذّر منه وذلك لجملة أسباب لعل أهمها تقصير وزارة الثقافة الفلسطينية في إبراز دوره الريادي علاوة إلى عزوف والدي عن مدح وتملق هذا أو ذاك من القادة العرب أنفة منه وترفعاً عن المكاسب والمناصب والامتيازات الدنيوية التي قد يجنيها من وراء مدحه ، ولقد اقتصر مديحه لقادة عرب من أجل استدرار حميتهم وتذكيرهم بالمسئولية الشرعية تجاه فلسطين وانقاذها من الضياع والسلب وهذا ما ذكره في مقدمة ديوانه الشعري الذي يحمل عنوان النيازك حين قال نصاً: " لقد مدحت بعض ملوك العرب وأنا طالب وبعد التخرج لأستدر عاطفة الخير والحَمِيـَّة فيهم عسى أن ينقذوا فلسطين وأخواتها، والملوك آنذاك كانوا عرباً يمثلون الرأس العربي صالحاً كان أم طالحاً ، ولم تكن أشعاري فيهم مدحاً خالصاً، بقصد المدح وإنما كان مدح توجيه يذكِّرهم بأجدادهم الفاتحين ليسيروا على نهجهم ولا يكونوا تابعين . ولم أكن لأدنس روحي بصلات أحد منهم أو من غيرهم فأنني من أهل غنيت نفوسهم وبيوتهم ". ولطالما حدثني والدي وبمرارة عن هذا التجاهل (المتعمد!!) والذي كان من نتائجه قرار والدنا بالتزام الدار وهذا ما أشار إليه عدد من الكتاب والصحفيين الفلسطينيين الذين زاروه كالأستاذ هشام عوده في مقالتيه المنشورتين في مجلة الثائر العربي العدد 12 لسنة 1985 ومجلة بلسم الفلسطينية الصادرة عن الهلال الأحمر الفلسطيني في العدد 306 لسنة 2000 والأستاذ حلمي الزواتي في مقالته المنشورة في مجلة الثقافة الجزائرية العدد 89 لسنة 1985.

ثانياً –  قسوة ظاهرية ... ومحبة باطنية :

لقد كان والدنا ( رحمه الله ) يحمل بين طيات قلبه حنان الأبوة الفيّاض رغم إصراره على عدم إظهار مشاعره الحقيقية تلك لنا، فكان يعاملنا بكل حزم وقسوة ويحاسبنا على كل صغيرة وكبيرة، وكنا ( أخي حسن وأنا ) نستغرب قسوته تلك وغلظة عباراته في أغلب الأحيان... غير أننا أدركنا بمرور الوقت حقيقة حبه لنا ورعايته واهتمامه بنا من خلال دأبه وحرصه على تنشئتنا وفق المبادئ العربية والإسلامية التي آمن بها وسار عليها وتغنى بها شعراً، ولا أكون مجافياً الحقيقة إذا ما عزوت قسوة تعامله معنا بأنها انعكاسات طبيعية لجملة عوامل لعل أهمها:

1- طفولته التي نشأها في كنف جدي ( رحمه الله ) المعروف بالصرامة والشدة والمرتكزة على التقاليد العربية والمبادئ الإسلامية... مما حدا بوالدي لأن يقتدي بجدي في نقل تجربته التي عايشها كي  ننشأ وفق آماله وطموحاته. 

2- تجربته النضالية القاسية التي عاشها في فلسطين وما رافقها من اعتقال ونفي واختفاء عن الأنظار لفترات طويلة والتي انتهت بغربته المبكرة عن مسقط رأسه وابتعاده عن أهله وعشيرته مما خلق لديه إحساساً مستمراً بالاضطهاد مما دعاه إلى الحذر المستمر والخشية مما قد يصادفه رغم حقيقة ما لاقاه في العراق من حفاوة وتكريم يفوق الوصف.

3- حرصه الشديد على أن نتم دراستنا الجامعية والذي جاء انعكاسا وردة فعل من عدم إكماله لدراسته في الجامعة الأمريكية ببيروت بسبب قرار الفصل الصادر بحقه في السنة الدراسية الثانية بسبب مواقفه الوطنية والقومية.

4- خشيته من احتمال اختلاطنا وملازمتنا لرفاق السوء وما تعنيه تلك الملازمة من احتمالات تأثيرهم السلبي علينا مما قد يشوه لنا أفكارنا ويبعدنا عن متابعة تلقي العلم.

لقد أولى والدنا ( رحمه الله ) اهتماما كبيراً في تربيتنا وبناء شخصيتنا وتحصيلنا العلمي، فعمل جاهداً على ترسيخ مبادئ العروبة والإسلام جنباً لجنب مع حب العلم والثقافة في ذاتنا منذ نعومة أظفارنا، فكان دائم التذكير لنا بمآثر العروبة وبطولات رجالاتها على مر العصور، وغالباً ما كان يحدثنا عن الفتوحات العربية الإسلامية والغزوات التي قام بها رسولنا الكريم ( صلى الله عليه وسلم ) من أجل نشر الإسلام، وكان كثيراً ما يتغنى بحكمة الإمام علي بن أبي طالب وشجاعته، ويستشهد بعدالة الفاروق عمر بن الخطاب وذكاء ودهاء سيف الله المسلول خالد بن الوليد وبسالة سعد بن أبي وقاص (رضوان الله عنهم أجمعين)، ولا أزال أذكر جيداً في ستينيات القرن الماضي أنه كان حريصاً على شراء مجلة " العربي " التي كانت تصدر آنذاك في الكويت وتوزع بانتظام في مكتبات بغداد، وكان ( رحمه الله ) حريصاً جداً على أن يدفع إلينا بكل عدد يشتريه من هذه المجلة بعد أن يفرغ منها لنقلب صفحاتها ونطلع بشكل مبسط على ما ينشر فيها وكان بذلك يرمي عصفورين بحجر واحد، أولهما تقوية لغتنا العربية، وثانيهما توسيع مداركنا العقلية واكتسابنا للمعرفة منذ نعومة أظافرنا وكثيراً ما كان يشجعنا على محاورته والاستفسار منه عن أي موضوع يسترعي انتباهنا في هذه المجلة خاصة تلك المقالات التي تـُعنى بالإرث الحضاري العربي الإسلامي تحديداً... وعلى عادة أطفال العراق آنذاك فقد كنا نشتري ( دون علم منه ) مجلتي سوبرمان والوطواط الأسبوعيتين المصورتين علاوة على روايات شرلوك هولمز وأرسين لوبين وأجاثا كريستي البوليسية المشوقة والمشهورة، ولازلت أذكر غضبته يوم وجدني منهمكاً في تقليب صفحات إحدى هذه المجلات المصورة التي نهانا عن اقتنائها، فجـُنّ جنونه وبدأ بالصراخ في وجهي ناعتاً إياي بأنني مهمل لدروسي المدرسية من جانب ومنحاز ضد ثقافة أمتنا العربية ومبادئها الإسلامية من جانب آخر فأصبت بالرهبة والوجوم وخشيت كثيراً من العقوبة القاسية التي سألقاها منه واستغربت في الوقت ذاته فعلته هذه لإدراكي أنني قد أتممت في وقتها إعداد فرائضي المدرسية علماً أنني كنت من الطلبة المجدين والمتفوقين، وفي هذا الجو المشحون رميت المجلة أرضاً ووليت هارباً متوارياً عن أنظاره طيلة النهار، و حينما سكن روعه جاءني مبتسما وأخذ يتبسط معي بالحديث موضحاً لي مساوئ هذه المجلات التي أقتنيها وأتصفحها مؤكداً لي بأنها تعمل على غسل دماغ فتية العرب وتلهيهم عن دروسهم المدرسية كما وضح لي بأنها تبشر بثقافة الغربي وتعمل بالتالي على وأد ثقافتنا العربية وطمس مبادئنا، بعدها حرصت تمام الحرص على إخفاء مثل هذه المجلات عن عينيه احتراما له ( وخوفاً ) من غضبه.

لقد كان والدنا ( رحمه الله ) شديد الاهتمام بدراستنا، حريصاً على متابعته اليومية، دائم المراقبة لنا، كما أنه كان يستقطع جزءاً كبيراً من راتبه في بداية السنة الدراسية لتهيئة مستلزمات الدراسة، وكانت حقيقة خطوة رائعة وذكية منه لتشجيعنا على مواظبة القراءة والدراسة حيث فاجأنا ذات يوم بشراء منضدة وكرسي لكل واحد منا للكتابة حين كنا في المرحلة الابتدائية.

لقد كان تفكيره محصوراً تماماً بمستقبلنا العلمي وفي كيفية تهيئة الأجواء العلمية الصحيحة لنا، ومن أجل ذلك وخوفاً من ضياع الوقت فقد كان يحصي علينا عدد ساعات دراستنا اليومية حيث خصص لنا يوم الجمعة ( حصراً ) من كل أسبوع للراحة والاستجمام ومرافقة والدتنا ( رحمها الله وطيب ثراها ) لزيارة دار خالي أو قضاء فترة أطول لمشاهدة برامج التلفزيون ( التي كان لا يطيقها بالمرة حيث يعتبرها ملهاة ومضيعة للوقت ومفسدة للروح والأخلاق باستثناء البرامج الأدبية والفترات الدينية التي تتخللها قراءات القرآن الكريم )، كما أنه كان يعمد إلى تقسيم أيام عيدي الفطر والأضحى المبارك فيخصص لنا اليوم الأول لزيارة الأقارب، أما باقي أيام العيد فكنا نقضي الفترة الممتدة من الصباح حتى العصر في مراجعة دروسنا لنخرج فيما تبقى من ذلك اليوم مع أصدقائنا وأقاربنا إلى المتنزهات أو لمشاهدة الأفلام في دور السينما، وللحقيقة أذكر ها هنا أنه كان متسامحاً معنا ( في فترة طفولتنا ) في مشاهدة أفلام الصور المتحركة ( أفلام كارتون ) والتي كانت تبث في بداية بث برامج التلفزيون لنذهب بعدها للقراءة والمراجعة، وعند بلوغنا مرحلة الدراسة المتوسطة والإعدادية فقد سمح لنا ( بعد التداول وإبرام الاتفاق معه ) على قيامنا بمشاهدة بعض المسلسلات العربية والأجنبية والبرنامج الرياضي الشهير

(الرياضة  في أسبوع ) حيث خصص لنا فترة ساعة من كل ليلة لمشاهدتها بعد أن هداه تفكيره فقرر أن تكون فترة راحتنا من عناء القراءة وتهيئة الواجبات المدرسية متزامنة مع فترة تناولنا العشاء ومتابعة المسلسل التلفزيوني في آن واحد ( ثلاث عصافير بحجر واحد!!)، ومما أذكره أنه كان ينادينا لنشاركه متابعة سماع القرآن الكريم من جهاز التلفزيون في الفترة الدينية أو أثناء فترة شهر رمضان الكريم فيفاجئنا دائماً باستفسارات لغوية في محاولة حثيثة منه لجس قدراتنا اللغوية وتطويرها، كما يصادف أحياناً أن نكون جالسين بقربه وهو يتابع نشرة الأخبار فيطالبنا بتصحيح أخطاء المذيع اللغوية ويُسرّ كثيراً عندما نرشده إلى خطأ وقع فيه المذيع.  

وبغية توضيح اهتمامات والدنا ( رحمه الله ) وعدم تساهله معنا مطلقاً في الجانب الدراسي، أسوق لكم ثلاث مواقف له معنا:

الموقف الأول:

كان يوم الجمعة في ستينات القرن الماضي يوماً مميزاً لأطفال بغداد، حيث كان يقوم التلفزيون في صباح ذلك اليوم تحديداً دون سواه من أيام الأسبوع بعرض أطول فترة لبرامج الأطفال المتمثلة بأفلام الكارتون المتحركة يتبعه برنامج الدمى المتحركة من خلال أكف الممثلين والمسمى ( قرقوز ) كما كان في غالب الأحيان يقوم في ظهيرة يوم الجمعة بعرض أحد أفلام رعاة البقر أو رجل الغابة ( الوسيم الأشقر ذي العينين الزرقاوين ) المعروف ( طرزان )، وصدمنا ( أخي حسن وأنا ) حين أبلغنا والدنا بأننا سنرافقه صباح جمعة لمشاهدة قطعة أرض كان قد اشتراها، ورافقنا والدنا قسراً ورغم أنفينا حيث لم تكن لدينا رغبة بمغادرة الدار للأسباب التي بينتها آنفاً، وبعد أن أتممنا مشوارنا ( الممل !!) وعند شروعنا بالنزول من الطابق الثاني للحافلة الحمراء الإنكليزية المنشأ والمسماة في العراق ب( باص المصلحة )، التفت إلى أخي حسن هامساً له بصوت منخفض بأننا قد ضيعنا فترة برامج الأطفال ولن ندرك أيضا فلم الظهيرة، وإذا بي أتلقى من والدي ضربة مدوية طنانة على مؤخرة رأسي أعقبها بركلة قوية  من قدمه جعلتني أتدحرج من سلم الحافلة مع سيل من الشتائم والتهديد منه واتهامه لي بعدم اهتمامي أو سؤالي عن دروسي اليومية التي قد فوتها عليّ نهار ذاك.

الموقف الثاني:

كنت أحد طلبته في السنة الأخيرة من مرحلة الإعدادية التي تسبق دخول الجامعة حيث كان يلقي علينا محاضرات في درس الدين الإسلامي، وكان من عادته أن يقوم الطلبة بالتتابع بقراءة مقطع من كتاب الدين المقرر علينا طالباً ممن يقرأ تفسيراً لما قرأه، وصادف امتحان لمادة الكيمياء عقب إحدى حصصه الدراسية مباشرة، ولصعوبة المادة الامتحانية فقد قمت خلسة بإخفاء كتاب الكيمياء في دُرج المنضدة التي أجلس عليها لأقوم بين الفينة والفينة بسحبه وفتحه وتقليب أوراقه مع حرصي الشديد على  رفع بصري لأرى أن كان دوري في قراءة مقطعي قد أزف، ولسوء حظي وطالعي فقد سهوت عن متابعة ما يجري في الصف وفوجئت بصوت والدي غاضباً مستفسراً عمن عليه الدور بالقراءة ( وكان دوري ) فتلعثمت وأصبت بالحرج والارتباك ساعتها فلم أعرف من أين أبدأ بالقراءة، وحاولت الاستعانة بزملائي الطلبة الذين لم يحركوا ساكناً لمساعدتي في ورطتي تلك واكتفوا بالصمت وانتظار ما سيحدث، وحاولت أن أكون ماكراً فأسترقت النظر لأرى أين يشيرإصبع جاري لأبدأ بالقراءة غير أن هذا الأخير حرك جسمه حاجباً عني رؤية كتابه مما أضاع عني فرصة الاهتداء إلى السطر المطلوب، فأيقنت ساعتها أن لا مناص من عقاب والدي لي، واستفسر مني عن أسباب عدم متابعتي للدرس فقدمت له أعذاراً واهية سخيفة من أن بصري قد تاه عن مقطعي، فلم يقتنع بإجابتي وعذري وتقدم نحوي وأمرني بصوت غاضب مزمجر أن أنهض وبدأ ينعتني بألفاظ قاسية غليظة واصفاً إياي بالإهمال وعدم احترامي للدين الإسلامي الحنيف، وأحس بفطنته وخبرته المتراكمة أن هناك مادة أخرى قد شغلتني عن متابعة درسه ، فاستفسر من الطلبة عن الدرس الذي يلي درسه، فأجابه الطلاب ( فرحين بورطة الإبن مع الأب !!) بامتحان الكيمياء الذي سيلي درسه مباشرة، فانحنى صوب درج منضدتي ومد يده وسحب كتاب الكيمياء المفتوح وتطلع فيه فأدرك سبب تشتت ذهني وعدم متابعتي لحصته، وعلى حين غرة هوى كفه الضخم وما يحمله من أصابع غليظة مكتنزة على  خدي ( الرقيق ) ليلتصق به كما يلتصق الصمغ بقطعة ورق ليرتطم رأسي بحافة النافذة المصنوعة من الحديد التي كانت مفتوحة آنذاك وسط ذهول الطلبة، ولم يعر اهتماماً لهول لطمته واحمرار خدي فأتبع لطمته المدوية تلك بطردي من الحصة مع ركلات وسيل عارم من عبارات التنديد والوعيد وسط وجوم الطلاب وصمتهم ورعبهم مما كان يجري، وما أن عاد من المدرسة حتى عاود التعنيف والتقريع مذكراً إياي أنني عار على أمة الإسلام والعروبة جراء عدم متابعتي لدرس الدين الإسلامي وسط ذهول وإشفاق الوالدة ( رحمها الله ) .  

الموقف الثالث:

ذات صباح ستيني كان والدي (رحمه الله) يتهيأ للخروج إلى مدرسته، فلاحظ  أخي حسن (وكان في العاشرة من عمره) جالساً على منضدته يكمل فروضه المدرسية بمساعدة والدتي ( رحمها الله )، فسأله بنبرة يشوبها الانزعاج والضيق عما يصنعه مبكراً فأجابه أخي بكل براءة بأنه يكمل واجباته المدرسية التي لم يكملها يومي الخميس والجمعة، فاستشاط والدي غضباً وبدأ بالصراخ والتهديد والوعيد ناعتاً إياه بالإهمال و التقصير واللهو كما نال والدتي من التوبيخ والتقريع حصة معتبراً أن سبب هذا التلكؤ ناجم عن شغفنا ببرامج التلفزيون و (تساهله معنا!!)، وأنزل جآم غضبه على جهاز التلفزيون واتجه صوبه وحمله بذراعيه ليرميه أرضاً فتوسلت إليه والدتي ( رحمها الله ) بألا يفعل وأن ذلك لن يتكرر مستقبلاً، فما كان منه إلا أن أنزل جهاز التلفزيون أرضاً ونال جهاز المذياع التفتت بعد أن ألقاه أرضاً وغادر بعدها الدار وهو يزمجر ويتوعد وسط بكاء أخي حسن وعويله ووقوفي مزهواً بعدم  شمولي بأحداث تلك الواقعة صباح ذلك اليوم!!.

ثالثاً -  تقواه وورعه:  

كان (رحمه الله) شديد الورع والتقوى مؤمناً شديد الإيمان بكتاب الله وسنة نبيه الكريم ( صلى الله عليه وسلم )، وكان يترجم إيمانه هذا بمواظبته على الصلاة والصيام وقيام الليل خلال شهر رمضان، وقد أخبرتنا والدتنا ( رحمها الله ) أنه قد قضى ليلة وفاته في الثامن من شهر رمضان الكريم من عام  1995 م ( كعادته ) بالصلاة تارة وبقراءة سور من القرآن الكريم عن ظهر قلب تارة أخرى، كما لاحظت والدتي أنه كان يردد عبارات مع نفسه بصيغة تنبئ أنه كان يحاور شخصاً كان معه في الغرفة حتى فجر يوم وفاته ففارق الحياة وهو صائم محتسب لله تعالى.   

كان ( رحمه الله ) محباًً لسماع القرآن الكريم فكان يتخذ له مقعداً لصيقاً بشاشة التلفزيون، وكان شغوفا جداً بسماع الآيات القرآنية التي تتلى بحنجرة أحد الشيوخ الأفاضل ( رحمهم الله جميعاً ) محمود خليل الحصري أو الشعشاعي أو محمد رفعت أو الشيخ عبدالباسط محمد عبدالصمد أو أبو العينين الشعيشع، فكان يغمض عينيه وغالباً ما كان يستبق الشيخ المقرئ بترديد آيات من سور القرآن الكريم وسط دهشتي وإكباري لما يفعله والدي ( رحمه الله )، وكانت تعليماته الصارمة تنص على السكوت المطبق والإنصات الخاشع طيلة قراءة القرآن الكريم و إلا فالويل كل الويل لكل من يقطع عليه خلوته تلك فيصدر صوتاً ولو همساً.  

كان ( رحمه الله ) حريصاً على أن نؤدي معه فريضة الصيام والويل لمن لا يلتزم منا أو يجاهر بالإفطار ولنا موقف شديد الوطأة معه، وأذكر في أحدى المرات حين كنت في سن الحادية عشرة أن دعينا للإفطار في دار خالي ( رحمه الله )، و قبل الفطور بساعة أو تزيد قليلاً فقد أغواني أحد أولاده بالتهام قطعة حلوى، وتم الاتفاق فيما بيننا على أن يكتموا أمر إفطاري خشية من امتطاء والدي صهوة الغضب وامتشاقه حسام العقوبة الصارم بوجهي، و حانت ساعة الإفطار وتحلقنا جميعاً حول المائدة، والتفت خالي صوبي مبتسماً مستفسراً إن كنت صائماً كالمعتاد، فسارع والدي (مزهواً) بالإيجاب لمعرفته بأنني كنت صائماً، فباغتنا أحد أبناء خالي بنفي ذلك منوهاً بأنني قد أفطرت قبل قليل، فأرعدت السماء حينها وأبرقت وتطايرالشرر من عيني والدي الذي باغتني بصفعة قوية أربكت الحضور أعقبها بطردي من المائدة الشهية التي رصفت بأشهى وألذ المأكولات الموصلية الشهيرة وسط توسلات خالي بالعفو والسماح وعدم تكراري ذلك مستقبلاً.

رابعاً – التزامه الوظيفي :

لقد كان والدنا ( رحمه الله ) مؤمناً أشد الإيمان بالحديث الشريف ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) كما كان للبيت الشعري القائل: " قم للمعلم وفـّه التبجيلا...  كاد المعلم أن يكون رسولا" وقع عظيم في نفسه، فعمل جاهداً مكابراً مفاخراً على أن يكون جديراً بحمل هذه الرسالة النبيلة التي طالما تغنى وتفاخر بها، فتقمصت شخصيته الغرض الذي جاء به الحديث الشريف والبيت الشعري  آنف الذكر وعاش أجواءه فصار جزءاً من كيانه وتفكيره، ولا أغالي إن قلت أنه قد آمن يقيناً أن الحديث و البيت الشعري قد قيلا في شخصه تحديداً دون غيره من البشر، وبذا فقد كان أميناً في ترجمة ذلك البيت الشعري وتلك المقولة الرائعة حرفياً عند أدائه لواجباته تجاه طلبته الذين كان يعتبرهم بمنزلة أبنائه، وكان والحق يقال بأنه قد أولى رعاية خاصة ومميزة لطلابه طيلة فترات تدريسه التي امتدت لعقود من السنين حيث تخرج من بين يديه الأطباء والمهندسون وأساتذة الجامعة والقادة العسكريون الذين ساهموا بقيادة العراق وخدمته على مر أجيال طويلة، فكان على الدوام يغرس فيهم حب الوطن وطاعة الله ورسوله الكريم، وكثيراً ما كان يقرأ عليهم أشعاره الوطنية التي تمجد الأمة العربية ويذكرهم بمجدها وتراثها وبطولات رجالاتها مستنهضاً فيهم روح الإقتداء بهم لخير هذه الأمة ونهضتها من كبوتها التي طالت والتي كان من تداعياتها ضياع فلسطين عام 1948 بسبب تهافت القادة والمسئولين العرب على المناصب والكراسي ( راجع قصيدته أحزابنا كفرت المنشورة في ديوان النيازك )، كما وحـذّر من تداعيات حب الجاه والسعي خلف المركز والسلطة في تجدد نكبات العرب وضياع أخوات فلسطين مستقبلاً!!!.

لقد اعتاد أن يكون أول مدرس يلتحق بمدرسته صباحاً متأبطاً تحت ذراعه ملفاً بأوراق طلبته وحاملاً بيده كيس الفطور البسيط الذي تهيئه له والدتي ( رحمها الله )، فما أن يلج باب المدرسة حتى يعمد إلى فتح نوافذ الصفوف تباعاً لتهويتها قبل قدوم الطلبة ثم يجلس في غرفة الأساتذة لوحده فاتحاً كيس الفطور والمتكون عادة من قطعة جبن وحبات زيتون مع قطعة خبز بانتظار مقدم زملائه من المدرسين، ويشهد الله أنني لم أسمع من والدتي يوماً أنه انقطع عن المدرسة حتى وإن داهمه المرض الشديد وكانت والدتي ( رحمها الله ) بدورها تستنكر إهماله لصحته وملازمنة للمدرسة وتحثه على ملازمة الفراش لاسترداد عافيته أسوة بزملائه من المدرسين، فكان يعنفها ويغلظ لها القول متحججا بمستقبل طلابه كونه راعيهم وأنه ملتزم أمام الله ورسوله الكريم بمسئولية أخلاقية بإتمام المنهج المدرسي قبل الفترة المخصصة ليتسنى له إعادة ما يطالب به طلبته من مواد استعداداً للامتحان، ولقد حدثني يوماً أحد طلبته في الثانوية المركزية ببغداد طريفة توضح مدى حرصه على مستقبل طلابه ومتابعته لهم كل حين قائلاً من أن موعد تقديم درجات نصف السنة قد أزف وأن عدداً محدوداً من طلابه المتكاسلين لم يوءدوا الاختبار الشفوي في مادة الأدب العربي، فأحس ( رحمه الله ) بضيق شديد لإهمال هذه الثلة من الطلبة وتقاعسهم عن تأدية الاختبار المطلوب، واستفسر من بعض الطلاب عن الوسيلة التي تجمعه بهؤلاء الطلبة المتكاسلين كي يجبرهم على أداء الامتحان الشفوي فأشاروا إليه بعد إلحاح منه بأنهم يتواجدون في مقهى قريب من المدرسة للعب النرد وشرب الشاي، فحمل سجل درجات الطلبة  واتجه صوب المقهى ليفاجأ الطلبة بمقدمه، فطلب من صاحب المقهى غلق باب مقهاه وأجبر الطلبة على تأدية الاختبار هناك قبل أن يقفل عائداً للمدرسة وسط ذهول صاحب المقهى وإكباره لفعلته تلك.     

خامساً -  مراعاته لحقوق الجار:

أما الحديث عن الجار ومراعاته لمشاعرهم فالحديث ذو شجون، فلقد كان ( رحمه الله ) يؤمن بمكانة الجار وأهمية إقامة أفضل العلاقات معه نزولاً عند وصية الحبيب المصطفى ( ص ) حين أوصى بالجار مطولاً، فكان كثير الاهتمام بمشاعر الجار ولم يبدر منه يوماً سوء تصرف حيال جاره مهما بَعـُدَ داره حتى وإن لاقى منه سوء تصرف، وكان يوصينا دائماً بأن نحترم الجار وأن نراعي حرمتهم وألا نسترق النظر إلى نسائهم، وكان يستشيط غضباً إذا ما وجدنا واقفين في باب الدار دونما سبب مقنع فيوبخنا ويعنفنا كثيراً بحجة أن وقوفنا في باب الدار قد يزعج الجار ويضيق على حريتهم وغالباً ما كان يلاحقنا ليتأكد من عدم وقوفنا على الباب، وأذكر أن جارنا الملاصق لنا كان كثير الأذى لوالدنا في الفترة التي امتدت حتى عام 1963 بسبب أفكار والدنا القومية، وذات ليلة تعالى صراخهم وعويلهم فأدركنا أن الجار قد لبى نداء ربه، فما كان من والدنا إلا أن أصدر توجيهاته الصارمة وأوامره الحازمة التي لا تقبل النقاش والفصال إلى ضرورة مشاركتنا بمصابهم الأليم بقيامنا بإغلاق جهاز التلفزيون طيلة فترة حدادهم مراعاة لمشاعر عائلة الجار المتوفى، كما أنه أوصانا ( رغم صغر سننا ) فيما تلى من أيام الحداد أن لا نعمد إلى رفع صوت الجهاز كي لا يصل الصوت لأسماع عائلة المتوفى فيتكدر خاطرها وتتألم لاسيما أن لهم أطفالاً بعمرنا، وبهذا السلوك من والدنا ( رحمه الله ) فقد أعطانا درساً في طريقة التعامل مع الجار وغرس فينا مبادئ مشاركة الجار لأفراحهم وأتراحهم وعدم محاكاة جار السوء بأفعاله، وحقيقة أقول بأننا مازلنا نراعي هذا الجانب الأخلاقي مع جيراننا وأصبح هذا الأمر طابعاً أخلاقياً ومبدءاً أساسياً تسير عليه عائلتي لا فكاك منه.

كما ولا أزال أذكر كيف كان أبناء الجيران ( في مراحل الدراسة الإعدادية والجامعية ) يطرقون بابنا مستوضحين منه ما يلتبس عليهم في مادة اللغة العربية ودون مقابل أو أتعاب فكان يدخلهم في الدار ويجلسهم ويتبسط في شرح المادة لهم على عكس ما كان يجري لنا حين نتلقى نحن درساً في الرياضيات من أحد جيراننا المدرسين الذي كان يتلقى من والدنا الأجور كاملة دون مراعاة لحقيقة أن أبناءه يدرسون العربية على يدي والدي في دارنا دون مقابل، وكثيراً ما كانت والدتنا ( رحمها الله ) تستهجن على والدي امتناعه عن أخذ أتعاب

ما كان يدرسه لأبناء زقاقنا أسوة بما يفعله آباؤهم معنا إلا أنه كان يرفض ذلك رفضاً قاطعاً معتبراً أن ما يفعله مع الجار حق طبيعي وإجراء سليم يستند إلى ديننا الإسلامي الحنيف.

سادساً – لا تنازل عن كل تراب فلسطين !! :

عاش والدي ومات على مبدأ واحد يدعو إلى عدم التفريط ولو بحفنة تراب من أرض فلسطين العربية الإسلامية، وكما كان صبيا يافعاً عنيداً مؤمناً بعدالة قضيته فرجلاً شاعراً مقاتلاً ساح في سهول فلسطين واعتلى جبالها ذائداً عنها منادياً بتحريرها كلها ( من النهر إلى البحر) فاعتقل وشرد وعذب، فكهلاً جاوز الثمانين من عمره، ورغم ما لاقاه وعاناه ورغم شيخوخته إلا أن ذلك لم يفت في عضده ولم يهادن أو يرائي أو يتملق ويحابي ملكاً أو رئيساً أو أميراً طلباً للمال أو الجاه والمنصب بل كان من أجل حثهم لتحرير فلسطين وتذكيرهم بعروبتهم وإسلامهم، ومن أراد أن يطلع على حقيقة فكره القومي الملتزم ومبدئيته العالية المستمدة من الإسلام فتلكم إرهاصاته وأفكاره ومعتقداته قد خطها في دواوينه ومسرحياته فهي حافلة بشواهد عن التصاقه بالقضية وعدم تفريطه بها تحت أي ظرف كان، غير أن ما يعنينا في هذا الملف أن نذكر هنا شواهد ومواقف عن مبدئيته والتزامه في فترة كهولته نستذكرها معاً :

1- أتصل بي هاتفياً السيد عزام الأحمد (وكان آنذاك سفيراً لدولة فلسطين في العراق ) لتحديد موعد لزيارة والدنا الذي أصيب بوعكة صحية، وبالمناسبة فإن صلة قربى تجمع السيد عزام بوالدي من جهة جدتي لأبي المنحدرة من قرى يعبد وهي ابنة الحاج يوسف ابراهيم شيخ عشيرة أبي بكر الحسن وأحمد الجابر،  وفعلاً تمت الزيارة وكان برفقته أحد المسئولين الكبار في السفارة، وتجاذب السيد عزام أطراف الحديث مع والدنا الذي سرد ذكرياته في فلسطين مستذكراً أيام معتقلاته هناك إبان الانتداب البريطاني، وكان السيد عزام يعرف مدى حب والدنا وعشقه وتعلقه بمدينته "جنين " التي طالما تغنى بها وأنشد من أجلها الأشعار، وأحب أن يدخل البهجة والسرور إلى نفس والدنا ( رحمه الله ) فالتفت نحوه وأخبره أن مدينة " جنين " قد قرب موعد عودتها ( في إشارة لاتفاقيات أوسلو التي كان والدي يجهلها تماماً ) وسيستطيع زيارتها بعد طول فراق امتد منذ عام 1967، فانبسطت أسارير والدنا لسماعه هذا الخبر، غير أنه التفت صوب السيد عزام قائلا ً له إن كانت كل مدن فلسطين ستعود كجنين، فكان جواب السيد عزام بأن جزءاً من فلسطين سيعود وليس كلها، فانتفض والدي غاضباً وردد بصوت عال كلمة قاسية بلهجة فلسطينية: " شي  بي ...... ري "، فنزلت تلك الكلمة القاسية كالصاعقة فأصاب الجميع الوجوم وأطرقوا ساكتين حائرين كأنما الطير على رؤوسهم.

2- أتصل بي السيد عزام الأحمد سفير دولة فلسطين في العراق وأبلغني بوجود حفل تكريم خاص بوالدنا لدوره الأدبي والنضالي ( دون أن نعرف أنَّ تكريمهم لوالدنا جاء متأخراً وتداركاً لسهو وقعوا فيه حين تم تكريم الوجبة الأولى من أدباء ومثقفي فلسطين كما بينت آنفاً )، وأبلغني أن التكريم سيتم برعاية السيد ياسر عرفات ( رحمه الله ) شخصياً وفي داره الكائنة في الجادرية ببغداد وبحضور وكيلي وزير الثقافة العراقية والسيد ناصيف عواد أمين سر تنظيم فلسطين في العراق مع ثلة من أدباء وشعراء العراق وفلسطين، وكان منهج الاحتفال والتكريم يتضمن تقليد والدنا وسام القدس للثقافة والآداب والفنون مع تسليمه شهادة استحقاق تتخللها كلمات يلقيها والدنا والسيد أبو عمار وعدد من الحضور.

وكنت طوال حفل التكريم قلقاً من صراحة والدي المعهودة ومبدئيته التي لا يتنازل عنها تحت أي ظرف علماً أنني كنت قد طالبته قبل التوجه للإحتفال بضرورة عدم احراج السيد أبي عمار والتزام الجانب الدبلوماسي والرقة بالتعامل لاسيما وأن هناك عدداً لا يستهان به من المدعوين الكبار قد يسبب له إحراجاً نحن في غنى عنه، ولقد وقع ما كنت أخشاه حين انبرى والدي بالحديث عن ذكريات نضاله ومقارعتة للانتداب البريطاني  والعصابات الصهيونية التي سلبت أرض فلسطين جراء تواطؤ وتقاعس قادة الأمة العربية وتمسكهم بقشور السلطة، وأسهب في حديثه مطالباً بضرورة التمسك بالسلاح ومقاومة الاحتلال الصهيوني من أجل تحرير أرض فلسطين كلها من النهر إلى البحر وعدم التفريط بأي شبر من أرض فلسطين وعدم الركون للمشاريع الاستسلامية والمرونة السياسية التي ينتهجها بعض القادة العرب حيال الكيان الصهيوني، وتطرق في حديثه إلى مؤامرة كامب ديفيد التي أدت إلى خروج مصر من دائرة الصراع العربي الصهيوني وقرأ بعضاً من الأبيات الشعرية التي نظمها إثر زيارة السادات للقدس الشريف، وكنت أثناء حديث والدي أرمق نظرة على وجه أبي عمار ( رحمه الله ) تارة وعلى وجوه المدعوين تارة أخرى لأرى ( تباين ) رد الفعل على وجوههم، وأشهد أمام الله بأن الابتسامة لم تفارق شفتي المرحوم أبي عمار طيلة حديث والدنا ( رحمه الله ) رغم نبرة الهجوم التي شنها ضد الحلول الاستسلامية التي كانت تطبخ آنذاك في المطابخ السياسية القذرة، وما أن أتم والدي حديثه تناول السيد أبو عمار الحديث من جانبه مؤكداً على موافقته على ما جاء بحديث والدي ثم ختم حديثه موجهاً كلامه لوالدي قائلاً له " أنت أستاذنا في الوطنية والجهاد ومنك نتعلم".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) كتبت هذه المقالة أساساً ونشرت في ملف خاص في موقع مؤسسة فلسطين للثقافة ...ولأهميتها في تسليط بعض الأضواء على الجانب الإنساني للشاعر الراحل فقد أرتؤي نشرها في مجموعته الأدبية الكاملة ( فارس السيف والقلم ) الصادرة بدمشق 2009 وكذلك في موقع الشاعر الخاص، رابط الملف الخاص المنشور في موقع مؤسسة فلسطين للثقافة :

(**) رابط المقال آنفاً :   http://pulpit.alwatanvoice.com/content-38108.html

 

 

 

 

▲▲▲

Copyright © 2006 www.al-abbushi.com . All rights reserved

DESIGN BY AHMADPC

أستضافة العراق للحلول الالكترونية

 
 

شذرات شعرية

 

البوم الصور

أتصل بنا