|
منظمات
المجتمع المدني في الداخل الفلسطيني 1
التاريخ
:
Friday, June 13
الموضوع : سياسة ومجتمع
الأستاذ صالح لطفي
1- مدخل
ظاهرة
الجمعيات والمؤسسات في مجتمعنا الفلسطيني
ليست ظاهرة جديدة،بل رافقت ومنذ اللحظات
الاولى التطور السياسي للشعب الفلسطيني في
أواخر العهد العثماني وبدايات الاحتلال
البريطاني(راجع القيادات والمؤسسات
السياسية في فلسطين 1917-1948،بيان نويهض)
ولعبت هذه الجمعيات واللجان والمؤسسات
والأحزاب دوراً كبيراً في توعية الشعب
الفلسطيني بمدنه وقراه ونجوعه ومن أمثلة
ذلك جمعية النهضة الاقتصادية العربية،وكان
من المنادين بتأسيسها السيد نجيب نصار
صاحب جريدة الكرمل،وقد أفتتحت الجمعية
أبوابها يوم الجمعة في 22/2/1922،ونص
دستور هذه الجمعية على تشكيل هيئات فرعية
في القرى والنجوع تربطها جميعاً لجنة عليا
ينتخبها المؤتمر الذي يُعقد بعد تنظيم هذه
الهيئات(للتوسع أنظر: كيف ضاعت
فلسطين،باب:الأندية والجمعيات ،ص 54، د.
عيسى الماضي..)
وليس
بعيداً عن هذه الظاهرة مارس الوقف
الاسلامي دوراً أساس في تدعيم البنى
الدينية للمجتمع الفلسطيني قبل
النكبة،لأن نظام الوقف تكمن خلفه منظومة
من القيم التي تُعلي من شأن المشاركة في
الشؤون العامة (أنظر:הווקף המוסלמי
בירושלים בתקופות המנדט כפי שהוא משתקף
ברשומות(סג'ל) בית הדין השרעי...יצחק ריטר
דיצימבר 1990,עמ 88...)...الا ان هذا
التطور انقطع فجأة بعد نكبة الشعب
الفلسطيني وانهياره مجتمعياً
ومؤسساتياً،وهذا الانقطاع أثر حتى العظم
في النفسية الفلسطينية وانعكس هذا التأثير
بشقيه الجمعي والفردي على الفلسطيني، أيٍ
كان موقعه وفي أي بلد كان،قال فيه أحد
كبار المفكرين الصهاينة:"عجيب أمر هذا
الفلسطيني،فكل الناس يسكنون في المكان إلا
الفلسطيني،فإن المكان يسكن فيه"،وهذه
الاحتوائية المزدوجة ،هي التي تشكل الدافع
المحرك للفلسطيني ليتقدم في صناعة الحياة
رغم ما يعتريه من جنوحها ورغم ما يُحاك له
بليل.ولعل كتاب شبح الأندلس:"مسرحية شعرية
عن نكبة فلسطين ومعركة جنين الكبرى"وهو
كتاب استلهم ضياع الأندلس ليقارب به ضياع
فلسطين مع إدراكه لحجم المؤامرات المحاكة
للشعب الفلسطيني ،اذ يقول الشاعر برهان
الدين العبوشي
:
شباب
فلسطين،استعدوا
وجندوا ولاتهنوا،فاليأس لم
زدالعمرا
روايتكم يا
قوم،ما تم فصــلها فان
قُمَير العرب،لم يكتمل بدرا
(أنظر:الورثة الرواة ،علي الخليلي،مؤسسة
الأسوار عكا 2001-ص103).وتنـزيلاً للأمر
على الأقلية العربية الفلسطينية التي بقيت
على أرضها ورزخت لسنوات متطاولة تحت الحكم
العسكري فقد ابتليت بأمراض لما تتحرر منها
بعد كان قوامها الجهل والخوف مما دفعها
دائماً لتعيش في الزوايا والهامش،وهذا
الهامش جاء بفعل عدد من المركبات مثل:هجرة
العقول والنخب وتدمير البنى التحتية
للتطور المديني للمجتمع الفلسطيني،ودمار
المدينة الفلسطينية كعكا وحيفا ويافا
واللد والرملة بفعل تهجير أهلها،(أقيمت
أول جمعية في عكا عام 1922 وهي جمعية شعبة
المعارف..)وتدمير مؤسساتها ومصادرتها-فيما
تنبه المجتمع الصهيوني منذ اللحظة الاولى
لأهمية المؤسسات والجمعيات في تفعيل وبناء
المجتمع الفلسطيني،وهم اللذين أسسوا كل
أعمالهم على المؤسسات والجمعيات ،فمثلاً
جمعية أحباب صهيون אגודת חובבי ציון تأسست
في روسيا عام 1881 ومهمتها دعم الهجرة
اليهودية من روسيا آنذاك،وشركة الاستيطان
اليهودية יק"א ،Jewish colonization
Association سُجلت في بريطانيا عام
1891،وهذه الشركة أقامت العديد من
المستوطنات مثل:ايلانيه אילניה كفار طابور
כפר תבור منحاميه (מנחמיה) وهي قرية مسحة
ويفنئيل יבניאל ، الى جانب هذا كانت جمعية
الاستثمار اليهودي في فلسطين المعروفة
باسم البيكا والتي أسسها اللورد أدموند دي
روتشلد عام 1881 في باريس/فرنسا تقوم
بشراء الأرض وبناء المستعمرات التي بنتها
هذه الجمعية حتى عام 1930، 34 مستعمرة
وكانت الوكالة اليهودية قد نص البند
الثالث من دستورها المُقر في زيورخ
14/8/1929 على:" تُنَّشِط الوكالة
الاستعمار الزراعي بواسطة العامل
اليهودي،والمبدأ العام الذي يتبع في جميع
الأشغال والمشاريع التي تقوم بها الوكالة
أو تنشطها هو استخدام العمال اليهود"ونص
على"وجوب أن تمتلك الأراضي كملك لليهود
،وَتُسّجَل باسم صندوق رأس المال القومي
اليهودي وتبقى مسجلة باسمه الى الأبد لكي
تظل هذه الأملاك ملكاً للامة اليهودية غير
قابلة للانتقال" (أنظر فلسطين قبل
الضياع،ص 134،واصف العبوشي) .
وقد
تكون شركة الصندوق القومي اليهودي (קרן
קיימת לישראל) الأكثر شهرة في هذا الباب
حيث تأسست كشركة مسجلة في لندن عام 1907
وانتقل مقرها الرئيس الى القدس عام 1922
وهي المشرفة حتى هذه اللحظات على كافة
الأراضي التي صودرت أو التي اشترتها
الوكالة .
قد
يشكل هذا الاستطراد دليلاً قاطعاً على
أهمية المؤسسات في بناء الدولة
،وبالمقابل،وفقط من باب المقارنة
المتُخيلة،بالإمكان أن نتخيل ما الذي كان
من الممكن أن تُحدثه المؤسسات والجمعيات
والشركات الفلسطينية التي تشكلت في تلكم
الحقبة من التاريخ،لو قُدر للفلسطينيين أن
يكون لهم دولة.
وهذه
المداخلة المختصرة إنما تم استحضارها في
هذا الباب للتأكيد على أمرين،أولاً:أن
المجتمعات المعاصرة بغض النظر عن التسميات
المناطة بها أو حولها لا غنى لها الأجسام
غير الحكومية ،بل وأكدت الأيام ان مكانة
الدولة تتضاءل باستمرار لصالح المؤسسات
والجمعيات الأهلية.والأمر الثاني انه في
ظل التعددية المجتمعية في الدولة الواحدة
فأن الجمعيات المؤسسات تمارس دوراً
طليعياً في خدمة الاقليات داخل الدولة أي
كانت.
|