|
مسرحية برهان العبوشي تسجل نصرا عربيا
حقيقيا على اليهود من خلال ما ترويه شعرا
عن معركة جنين.
( نشرت المقالة بتاريخ 24 / 9 / 2006 )
بقلم: السيد نجم
يقول د.محمد عبد الله الجعيدي في تقدمته
للببليوجرافي الهام عن الأدب الفلسطيني:
"وللتدليل على الإهمال الذي لاقاه الأدب
الفلسطيني، لأسباب غير موضوعية، تكفي
الإشارة إلي أنه حتى عام 1967 ميلادي، لم
يعرف على صعيد البحث الجامعي غير أطروحتين
جامعيتين: الأولى بعنوان 'حياة الأدب
الفلسطيني الحديث من النهضة حتى النكبة'
للباحث عبد الرحمن ياغي عن جامعة القاهرة،
والثانية بعنوان 'موقف الشعر العربي
الحديث عن محنة فلسطين من 2 /11/ 1917
الى 31 /12/ 1955' للباحث كامل السوافيري
عن جامعة القاهرة".
ومع ذلك فقد لاقت القضية الفلسطينية وأدبها ما
تستحقه، من داخل فلسطين وخارجها، ومنها ما
تناوله كاتب تلك السطور حول التجربة
الحربية الإبداعية في فلسطين في كتابه
"المقاومة والحرب في الرواية العربية"،
وحول الانتفاضة في كتابه "المقاومة والقص
في الأدب الفلسطيني.. الانتفاضة نموذجا".
إلا أن الشعور بالتقصير ما زال قائما،
لعدم تأمل ومتابعة العديد من الرواد
الفلسطينيين وهو بالضبط ما نسعى لمتابعته
وتصحيحه بتلك الوقفة السريعة مع أحد رواد
المسرح الشعري الفلسطيني الشاعر برهان
الدين العبوشي.
أما وقد وقعت الواقعة وكان عام النكبة بعد الصراع
الدموي، بدا بعض الكتاب الفلسطينيين
حريصين على تلك البكائيات التي شاعت في
شعره وقصصه منذ 1948م، كما بدا موضوع سقوط
الأندلس في الشعر الفلسطيني وفي النص
المسرحي.
وفي ضوء استحضار رموز الأندلس المكانية/الأدبية بل
والقيادات الحاكمة مع استحضار الوقائع
الأندلسية الشائعة، كانت مسرحية رائد
المسرح الشعري الفلسطيني برهان الدين
العبوشي، والمسماة "شبح الأندلس".
وان كان الشاعر أطلق عليها بداية عنوان "أخت
الأندلس" تشبهاً، فما حدث بالأندلس حدث في
فلسطين، إلا أن الأصدقاء اقترحوا عليه
اسما آخر فكان بدلالة التشاؤم نفسها، وهي
حالة الشاعر وعاطفته ورؤيته وهذا حقه (ما
أشار إليه د.أسامة جمعة الأشقر في مقدمته
للمسرحية المنشورة في حزيران 2006
ميلادي.)
يجيء برهان الدين العبوشي مستلهما روح الأندلس وقد
عاش في خضم الصراع مشاركا في ثورة فلسطين
عام 1936-1939 ميلادي واعتقل حتى استطاع
الرحيل إلى العراق ليشارك في ثورة رشيد
الكيلاني عام 1947 ثم يهرب إلى دمشق ثم
إلى جنين.
كما شارك في الصراع بقلمه، حيث كتب أربع مسرحيات
"وطن الشهيد"، "شبح الأندلس"، "عرب
القادسية"، و"الفداء" وكلها تتضمن مفاهيم
وملامح أدب المقاومة، وقد وافته المنية في
شباط 1995م ليرحل بجسده وتبقى أعماله بين
مريديه وقرائه بفضل جهد ولديه سماك وحسن
في إعادة طبع ونشر وتوزيع هذا الجهد
الإنساني المناضل من أجل المقاومة.
لأنه رائد المسرح الشعري الفلسطيني، ولأنه
يملك رؤية مقاومة صبرت وناضلت من أجل
وطنه، نتوقف أمام أحد أعماله، مسرحية "شبح
الأندلس" التي كتبت عام 1948م، حول معركة
جنين بين العرب والمستوطنين اليهود.
"لا حمد إلا لله، أما بعد، فان هذه النكبة التي
ألمت بالبلاد وأهلكت العباد إنما مهَّد
لها جهل القادة وجشع السادة وجبن الذادة
فهي من قديم تنذر بها الأيام فلقد ذر
قرنها بقرنين قبل صلاح الدين ومعركة حطين،
ولم يكن في العرب بعد ذلك مؤمن تنفعه
الذكرى".
ترجع أهمية تلك المقدمة الطويلة، في إبراز الجانب
المباشر لوجهة نظر الكاتب، قبل الولوج إلى
العمل الأدبي (المسرحية) فيبدو متشائما
ويشعر بقلة الحيلة، إلا أنه لم يختم
مقدمته قبل الاشارة إلى موضوع العمل
"معركة جنين" مؤكدا قوله: "هي الوحيدة
التي تسمى معركة حربية بحق، العدو أحدق
بها ودخل ثم أُخرج منها إخراجا. إن هذه
المعركة عظة وعبرة للعرب، إذا صمموا
وقاتلوا ولو بفئة قليلة فانهم يغلبون فئة
كثيرة". وهكذا أصحاب الطموحات والأفكار
الكبيرة غالبا يبدون على النقيض وان غلب
التشاؤم أو التفاؤل فهو وليد الموقف، الا
أنهم دوما يعرفون الهدف ويقيسون كم اقترب
وكم ابتعد وهذا هو سر انفعاليتهم ومنهم
الشاعر الرائد برهان الدين.
وليس أدل على ذلك من حرص الكاتب على ذكر أسماء
القادة العسكريين المنتصرين في تلك
المعركة، وهم المقدم نوح، العقيد الركن
صالح زكي والزعيم طاهر الزبيدي... وهانحن
نذكرهم بذكره لهم.
ترجع أهمية تلك المسرحية إلى عدة محاور.
رصدت المسرحية بعض الأسماء، سواء الشخصيات مثل
القادة العسكريين المنتصرين الشرفاء أو
أسماء أماكن دارت فيها وحولها المعارك
الحقيقية. أليس أدب المقاومة هو ذاكرة
التاريخ بعد أن يذهب الجميع؟
كما أن الشاعر حرص على إبراز العديد من الجوانب
السياسية والرسمية دون افتعال أو إقحام
وبطريقة سلسة، ولعل اختياره الأساسي بأن
تكون شخصيات المسرحية هم رجال ونساء القرى
والمدن العاديين هو سر نجاحه في ذلك، كما
أن هذا الاختيار تحديدا يبرز الانتماء
الأيديولوجي والعاطفي عنده فهو لا ينزع
إلى أن ينافق سلطة أو سلطانا كائنا من
كان، انه إلى الشعب ومنه.
وتكشف المسرحية عن حس ناضج بالانتماء الوطني
والقومي، فبالرغم من كل شيء ومع كل الظروف
القاهرة والظالمة مازال يدعو لنبذ
الخلافات والدعوة إلى الاتحاد والوحدة بلا
صوت زاعق أو ادعاء سواء بين الفلسطينيين
أنفسهم أو بين العرب بعامة.
كما تكشف المسرحية عن مكانة الشاعر وتمكنه من فنه،
فاستخدام الحوار الشعري في المسرحية جاء
متعدد البحور حيا ومتفاعلا بلا ادعاء أو
اعتلاء علي القارئ.
وان بدت بعض الشخصيات متماثلة الملامح فربما لنظرة
الكاتب إلى القضية والتوجه نحو الهدف
الأسمى أكثر كما بدت المفردات منتقاه بلا
افتعال ولا يوجد بينها لفظ معجمي يعيق
القارئ (المشاهد) عن المتابعة.
وان بدت مشاعر الكاتب في المسرحية من خلال بعض
المفردات والتراكيب وأيضا من بعض الأفكار
المطروحة متشائمة، فلا ضير فالألم كبير
والنزف شديد والقضية مصيرية إلا أننا
نشاركه انفعاله وصراخه المخلص في آخر
المسرحية "عاشت فلسطين".
ثم أولا وأخيرا، ترجع أهمية تلك المسرحية أنها
كتبت بقلم محارب شجاع تمرس المعارك والقلم
معا، وقد انتهى منها في عام 1949م وهو ما
يعني أنها تحمل كل حرارة التجربة الحربية،
بلا افتعال أو رياء سياسي.
تتميز الأعمال الأدبية (ومنها النص المسرحي)
المعبرة عن التجربة الحربية أثناء وبعد
المعارك مباشرة بعدد من الخصائص وهي
استخدام مفردات قد لا يستخدمها الكاتب بعد
مرور سنوات على المعارك مثل أسماء الأماكن
واختيار شخصيات بلا اسماء بل بأحوالها مثل
الأم والشيخ والأطفال.
كما أن غلبة روح التحمس وهو ما تجلى في أكثر من
موضع، سواء بالتعبير عن النصر بفرحة عارمة
أو عن الهزيمة بحزن قاطع وان كان الزمن
المستخدم في المسرحية مستقيما من الماضي
إلى المستقبل، إلا أنه لا يتبدى إلا برصد
حدث ما أو موقعة ما.
لست أدري هل من صالح العمل الأدبي أن نؤكد أن تلك
المسرحية، تعد وثيقة تاريخية أم لا؟ البعض
يرفض تلك الوجهة، إلا أنني أرى أهميته في
أدب المقاومة الذي يتناول التجربة الحربية
تحديدا.
ماذا يمكن أن يخطه الكاتب المنتمي إلى جماعته
وأهله وهو يستشرف الخطر الذي يحيق به
وبهم؟ أليس هو الناقوس ومبعث الوعي
لجماعته بل ودوره الباقي مهما تعددت
المدارس النقدية ومناهجها؟
وكان برهان الدين العبوشي أحد هؤلاء
المخلصين بصدق القول والعمل المنتمي لبلده
وقضيته بتحمس الشرفاء، كما ندعوا إلى أن
تدرس أعماله هنا أو هناك لتعرض على خشبة
المسرح وتراها الأجيال الجديدة فهي أحوج
إليها من غيرها من أجل قضية عادلة وحياة
كريمة.
|