|
عنق
الزجاجة و ( مبتلع الموسى ) (*)
( عنق الزجاجة ) و ( مبتلع الموسى ) ،
الأول مصطلح سياسي معروف والثاني مثل شعبي دارج يلتقيان في
نقطة ( حيص بيص ) ، فعنق الزجاجة يقصد به الحشر عنوة (
سهوا أو قصدا ) فلا خلاص و لا فكاك منه إلا بأحد خيارين
كلاهما مر و أليم ، فإما المكوث داخل الزجاجة نفسها فيتعطل
كل شيء وتتجمد فيها الطاقات ويشل التفكير في حين تمضي عجلة
التاريخ في مسيرها غير آبهة بما يجري حولها ، أو بكسر
الزجاجة و الانعتاق منها ، والثاني مثل شعبي لا يعرف معناه
إلا العراقيون أنفسهم وهــو ( مبتلع الموسى ) ، و (الموسى)
هنا هو شفرة الحلاقة التي يعمد أحدهم على ابتلاعها ظنا منه
أنها قطعة حلوى ، فلا يستطيع إخراجها من ( زردومه ) خوفا
من تقطيع جدار البلعوم ولا هو بمستطيع على بلعها خشية
تقطيع جدار المعدة وما يليها من أعضاء بشرية داخلية
كالأمعاء وخلافها فيقع في حيص بيص 0
كان أكثر ما يخشى منه عند استهلال العملية
السياسية في العراق أن نصل يوما إلى مثل هذين الوصفين ، أن
نحشر في عـــنق ( زجاجة العملية السياسية ) بصيغة (
الديمقراطية ) التي يمارسها ساستنا اليوم ، أو أن يتم
ابتلاع ( شفرة الحلاقة ) على أنها قطعة حلوى ، ولعل وصولنا
إلى هذه الحالة جاء كتحصيل حاصل للتخبط السياسي والتسرع
باتخاذ مواقف مصيرية ابتداءا من تشكيل التكتلات السياسية
ذات النكهة ( الطائفية والعرقية ) والتي جاءت تكريسا
لمسيرة مجلس الحكم الانتقالي ( خالد الذكر ) أو تشكيل
أحزاب سياسية بوزن ( خردلة ) ذلك الشخص الذي يوصف بأنه إذا
حضر لا يعد وإذا غاب لا يفتقد فلم نعد نسمع همسها واختفى
قادتها بعد فرز الأصوات ، و غياب شريحة واسعة من المجتمع
العراقي عن المشاركة في العملية الانتخابية لعدم الإصغاء
لطلبهم بتأجيل الانتخابات لثلاثة أشهر لضمان مشاركة أوسع
لباقي أطياف المجتمع العراقي ، فها هي النتائج يلمسها
شعبنا كله ويكتوي بنارها ، ولادة متعسرة عاجزة عن تشكيل
حكومة ما زالت مواصفاتها حيرى بين أن تكون وفق الاستحقاق
الانتخابي أو حكومة وحدة وطنية حيث مضى ثلث عمرها (
الانتقالي ) ولم تر النور بعد ، حكومة لا تزال في غياهب
المجهول ، ومصير العراق ومستقبله ككرة تتلاعب فيها الأهواء
والرغبات والتقسيمات فتارة تراها في الملعب الفلاني
وأحيانا ترمى إلى الملعب العلاني غير آبهين لآمال
العراقيين و مشاعرهم و طموحاتهم المشروعة في رؤية حكومة
إنقاذ ، أن الحقيقة المرة أن نرى أن من تم حشره في واقع
الأمر كان مصير و مستقبل و أحلام الشعب العراقي في ظل
أوضاع سياسية و أمنية متفجرة غير مستقرة ، تصورات وأحلام
راودت شعبنا جراء حلو الكلام ومعسول الجمل دغدغت مشاعره ،
اعتقد وللوهلة الأولى أن قدميه قد خطتا الخطوة الأولى في
مسيرة الألف ميل وراودته الأحلام الوردية و صور من واقع
سينتقل إليه بعد استكمال الانتخابات وتشكيل الجمعية
الوطنية و تسمية الحكومة التي ستقود البلاد إلى حيث شاطئ
وبر الأمان بعد فترة كانت الأجواء فيها ملبدة بالغيوم 0
أيها السياسيون الأفاضل ، يا من مصير العراق مرهون
بأياديكم ، الأيام تتسارع ، والزمن لا ينتظر، ونار الفتنة
تستحضر على نار هادئة بسبق الإصرار و الترصد ، والتاريخ لا
يرحم ، فلا يهمنا من سيتبوأ هذا المنصب ومن سيجلس على ذاك
الكرسي ومن سيحمل تلك الحقيبة ( سيادية كانت أو اعتيادية )
، وعلامة الاستفهام بدأت تتسع ، كيف سيكون الحال وكم سنشطب
من أشهر عند كتابة الدستور أو تشكيل الحكومة الدائمية 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت
في جريدة الزمان العدد 2099 بتاريخ 2/5/2005
(*)
▲▲▲
|