|
ما هكذا أيتها الفصائل المناضلة تورد
الإبل !!(*)
مما لاشك فيه أن القضية الفلسطينية تمر بمرحلة مخاضٍ عسيرٍ
وانعطافةٍ تاريخية ٍ يتحدد - إثرها ووفق نتائجها - مصيرُها
ومستقبلُ الآلاف من شعب فلسطين الصابر المحتسب المترنح
جراء ما يجري على ساحته من تجاذبات دولية وأقليمية و (
داخلية ) لا يحسد عليها إطلاقاً ، مما يزيد حالة التشرذم
والتفتت في الموقف الوطني على الساحة الداخلية الفلسطينية
..
فبعد إجراء الانتخابات التشريعية ( الديمقراطية )
الفلسطينية والتي كان من نتائجها الفوز الكبير الذي تحقق
لحركة حماس مما أهَّـلها ومكَّــنها من تشكيل حكومة تنفرد
بها بحكم الأغلبية البرلمانية ، غير أننا – والحق يقال –
لم نشهد من حركة حماس إستئثاراً بتشكيل هذه الحكومة ، بل
على العكس تماماً ، حيث رأيناها تفتح ذراعيها ( النظيفتين
حتى هذه اللحظة ) ومن منطلق المسؤولية التاريخية والوطنية
فدعت جميع الفصائل الفلسطينية ( ومنها الشقيقة الكبرى فتح
) بالإنضمام معها لتشكيل حكومة وحدة وطنية مراعاةً منها
للظرف الحرج والحسّـاس الذي تمر بها القضية وبما يتناسب
وحجم الهجمة الشرسة التي ستواجه القضية الفلسطينية جراء
الدماء الجديدة التي أطلت برأسها بنهجها الجديد ولغتها غير
المسبوقة وغير المفهومة من كثير من دول العالم التي اعتادت
أن تسمع دوماً نغمة ً واحدة ً محددة ً تنحصر بالموافقة
والانسياق خلف إرادة غير الأرادة الوطنية الفلسطينية ،
فكان ذلك الأمر أشبه بحالة قلب الموازين كافة والقشة التي
قصمت ظهر البعير.
ولكن ، وللأسف الشديد ، وبدلاً من استغلال هذه الفرصة بخوض
هذه التجربة الجديدة وإتاحة الوقت الكافي لها لتؤتي ثمارها
، فإننا رأينا بأم أعيننا وسمعنا ما يشبه (الإضراب السياسي
الجماعي) لمعظم الفصائل الفلسطينية والامتناع عن توحيد
الجهد والإنخراط بتشكيل الحكومة الجديدة ، فبدا وكأن
الأمرَ مُبَيَّـتٌ ومتفقٌ عليه مسبقاً لكي تبقى حماس وحدها
في مهب الريح تواجه مصيرها الذي أختارته لنفسها بدعم ٍ
وإسناد ٍ من أبناء فلسطين ، فتقاربت بذلك مواقف هذه
الفصائل ( المناضلة ) بمقاطعتها هذه الدعوة الكريمة
المتمثلة بالموقف المبدئي والمسؤول الذي تحلت به حركة حماس
بشكل أو بآخر ، لأقول تقاربت بموقف دعوات المقاطعة والتخوف
والترهيب الدولية والإقليمية ( ومنها الدعوة الامريكية
والاوربية والاسرائيلية ) التي تدعو بعدم الترحيب بمقدم
حماس ، بل والمحذر منها ومن التعاون معها بأي شكل من
الأشكال ما لم تخط حماس بما يتناسب والجندة والمخطط
الامريكي الاسرائيلي الذي يدعو إلى الانبطاح كاملاً أمامها
مكشوفة البطن والظهر وغير ذلك من باقي الأعضاء . ولست
بموقفٍ يؤهلني للخوض في الأسباب التي دعت هذه الفصائل (
الثورية ) لتبني موقف المقاطعة هذا ، ولكنْ هناك من
الأسباب الظاهرة والبسيطة التي يستطيع رجل الشارع البسيط
( ومنهم العبد لله الفقير المتحدث ) أن يؤشرها ويحاجج بها
ويتساءل بمنتهى البراءة والشفافية والوضوح عن أسباب هذه
المقاطعة غير المبررة .
وأولى هذه التساؤلات ، هل هناك من المواقف ( الحماسية )
السابقة والتي يمكن تأشيرها أنها قد جاملت قوى الاستكبار
والظلم والطاغوت على حساب مبادئ قضية فلسطين التاريخية
المعروفة والتي من أجلها قامت ( فتح ) بانطلاقتها عام 1965
وانتفاضة الثمانينات والتسعينات ، بحيث تجعل هذه الفصائل
تتحرج من التعاون مع حماس بتشكيل الحكومة القادمة ؟.
وهل سبق لحركة حماس أن جُــرِّبَت وامْتـُحـِنَـتْ فاستلمت
السلطة سابقا ً فبدر منها من المواقف ألتي كانت سبباً في
تأزم الوضع الداخلي الفلسطيني ما يجعلها موضع تهمة وشبهة
وعدم ترحيب داخلي من قبل باقي الفصائل بما يحول دون وضع
أيديهم بيدها لتسيير المرحلة القادمة؟.
ثم تساؤل يدور ويدور ، من ألذي ساعد حماس على الوصول إلى
ما وصلت إليه بعد انتخابها وبهذه النسبة الكبيرة والمفاجئة
من الأصوات الشعبية ؟، وهل كان الشعب في غيبوبة لا يدري ما
يصنع !!؟ ثم أليست حماس بنتاً شرعية ً مكتملة الوجدان
والأحاسيس مفعمة الأحاسيس جاءت من رحم هذه الأمة المفجوعة
والمنكوبة والتي قاسى رجالها الأمرين تقتيلاً واضطهاداً
وتهجيراً ؟!
لقد تعلمت أن أكون مبدئي الطرح والقناعة والوضوح ،
وبالمناسبة لم أكن ( حماسي َّ ) الهوى إلا ّ بعد ما رأيت
منها وسمعت عن أخبارها أيام الانتفاضة والتفاف الجماهير
حولها وتبنيها لآلام أبناء فلسطين ، ولا أجد حرجا ً وأفتخر
أنني ( فتحاوي ) الهوى منذ صغري أسوة بفتية القوم ورجالها
ونسائها أيام انطلقت ( العاصفة ) وذاع صيتها ورددنا
أناشيدها الحماسية ، ولكن لكل وقت أذان كما يقال ، وأن لكل
جواد كبوة ، فرأينا إنحسار مواقف ( فتح ) وانخراط رجالها (
المخضرمين ) بالعملية السياسية حد الأذنين ، جعلني وكثيرين
من أبناء هذا الجيل العربي أن يعيد حساباته على أمل ان (
فتحاً ) ستدرك أنها بأمس الحاجة إلى مراجعة نفسها قبل فوات
الأوان ، وليس من الطبيعي أن يتحجر تفكير المرء فيبقى أسير
تراث فيتغنى بالاطلال كما غنت السيدة أم كلثوم ، و سأقولها
صريحة وأجري على الله العليِّ القدير وليكن ما يكن ،
وليزعل من يزعل ، وليفرح من يفرح ، وليشمت من يشمت ، وليفق
من سباته وغيبوبته من يفق ، فليس الوقت وقت زعل وشماتة ،
بل الوقت وقت إعادة حسابات ، فأقول : هلاّ أدركتم ( بالله
عليكم ) أسباب هذا التدهور والنكوص في قضيتنا مما ساهم
ودفع ( إسرائيل ) إلى عدم احترامها لما نقوله ونصرح به ،
وما تم الاتفاق عليه حتى هذه الساعة ؟ وإلا كيف تفسرون
إقدامها وأمام الملأ اجتياحها لسجن أريحا ودونما مقاومة
تذكر واصطحابها للمناضل ( أحمد سعدات ) ورفاقه ، وكيف نفسر
غلقها للمعابر الحدودية من جانب واحد وأمام أنظار الأمم
المتحدة وأمة العرب فتمنع الغذاء والدواء دونما حرج ؟!.
وهل عرفتم سرَّ نكوص القضية الفلسطينية طيلة العقود
المنصرمة من عمر أجيال فلسطينية ذاقت الويلات والنكبات
وجرَّبت الحسرات فرحلت من هذا الزمان وقلبها يقطـِّر دماً
ولوعة وحسرة ؟.
إن المشكلة وبمنتهى البساطة والوضوح تكمن في التركيبة
النفسية التي جبل عليها قادة هذه الفصائل جميعاً ، يتحكم
بهم المثل القائل ( أنا أمير وأنت أمير فمن ذا يسوق .... )
على إعتبار أنهم ولدوا أمراء وقادة وساسة هذا المجتمع ، في
حين أن الحقيقة تشير بكل وضوح أنهم كانوا السبب الرئيس
بصنع وخلق هذا التشتت والتشرذم والتفتت وعدم الوفاق بين
أبناء الشعب الفلسطيني الذي وزع ولاءاته لهذا الفصيل أو
ذاك ، مذكِّرين بما ساهمت بخلق هذا الوضع النشاز والمستهجن
بعض الانظمة العربية طيلة الفترة المنصرمة التي استقطبت
هذا الفصيل فأيدته ودعمته وجافت ذاك الفصيل وحاربته فجعلت
من الفصيلين متناحرين مختلفي الأهواء والميول لا يطيق هذا
الفصيل سماع رأي ذاك الفصيل وعلى حساب القضية المركزية ،
والتي كان من جرائها ونتائجها الوخيمة هذا التخبط وعدم
المصداقية والوضوح في المواقف والرؤية السياسية .
لقد تناسيتم القضية وجوهرها فرحتم تتناحرون فيما بينكم كل
يسعى لشد الخيط إلى ساحته ، وتجاهلتم ( سهواً أو قصداً )
قيام ( إسرائيل ) بالتمتع والتفرج ( دون أن تدفع شيئاً من
جيبها ) على سيرك مهازلكم وتصريحاتكم وتهديداتكم الجوفاء
فتضحك عليكم في سِرِّها وفي علنها فأحست أن ما يفرقكم هو
سر قوتها وديمومتها ، وأن ما يفرقكم ويباعد بينكم يفوق ما
يجمعكم ، فكان هذا سر ضعفكم وكان هذا سبباً رئيسياً فيما
نحن جميعاً فيه شئتم أم أبيتم.
ألا رحمة بأبناء هذا الجيل من أبناء فلسطين ، ألا عطفاً
واحتراماً للجيل الذي سبقكم بحمل السلاح والقتال يوم كان
بعضكم أطفالاً غير محتلمين ، من قرية إلى قرية ومن سفح إلى
سفح ينقصه الماء وويعوزه المأكل والسلاح والذخيرة فأذاق
العدو النار والجحيم ، وذاد عن القضية وضحى وتشرد ولاقى
صنوف العذاب والقهر والتنكيل إبان الانتداب البريطاني
البغيض والعصابات التي عَرَفَتْ كيف تعمل على توحيد صفوفها
وجمع شملها لتصبح فيما بعد ( دولة ) تهتز لها فرائص دولنا
العربية مجتمعة ً وتتحسب خوفاً من غضبتها فراحت تداهنها
وتسترضيها على أساس أن من وراءها قوة عظمى تساندها وتحميها
، متناسين أن الله معنا ، وأن التاريخ إلى جوارنا يشد من
عضدنا ، ، فعودوا إلى رشدكم واركوا أنانيتكم ، والتقوا
يوماً ، وتذكروا جيداً أن التاريخ لا يرحم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في صحيفة دنيا الوطن
الألكترونية – منبر دنيا الوطن بتاريخ 22/3/2006 (*)
▲▲▲
|