|
نهاية سعيدة
لحكاية ستحكى (*)
حكاية ابتدأت فصولها المأساوية ذات يوم شملت تخريباً
وتدميراً ومعاناة إنسانية ( أتمنى ) أن تكتب لها نهاية
سعيدة وخاتمة طيبة بفعل إرادة شعبنا وفطنته لتكون عنواناً
لأصالته ورمزاً لصموده وصبره وجلده على النوائب والشدائد
لتحكى لأجيالنا القادمة على مر السنين وفق ما يأتي!.
وتمر السنين، وفي أحدى ليالي بغداد التي طالما تغنى بها
الشعراء وقد عاد إليها الأمان وترسمت البسمة من جديد على
شفاه أطفالها وباقي أطفال مدن العراق، تحلق صبية صغار حول
فراش والدهم كعادتهم كل ليلة وقد تسمرت أعينهم على مجلد
ضخم كان قد اعتاد أن يقلب أوراقه التي علتها بعض الصفرة
ليحكي لهم من صفحاته كل ليلة حكاية قبل أن يناموا.
"ماذا ستحكي لنا هذه الليلة يا أبي؟" سأله أحد أبنائه
بشغف، تبسم الأب وركن المجلد جانباً ثم قال: "سأحكي لكم يا
أحبتي حكاية من الواقع كنت قد عايشتها صغيراً"، ويسترسل
الأب بالحديث وقد أطلق تنهيدة من صدره وقال: " تبدأ
حكايتنا هذه بخطب جلل كان قد أصاب بلدنا قبل سنوات حين كبا
ذات يوم فتكالبت عليه قوى الشر والظلام بغية تمزيقه
وتفتيته حقداً وكرهاً لإرثه الحضاري والإنساني الذي كان
أجدادنا قد أرسوا أسسه عبر حقب زمنية طويلة ابتدأت قبل
الإسلام واستمرت وازدهرت ( فيه وبعده ) فأصبح شاهداً
للعالم أجمع على عظمة هذا الشعب، وطمعاً من أصحاب النفوس
الضعيفة ونهازي الفرص بخيرات وفيرة أودعها الله بين طيات
أرض هذا البلد لينتفع منها أبناؤه ويتدبروا إنفاقها
واستثمارها بالعقل والتدبير".
وأردف الأب مضيفاً وهو يتفرس وجوه أطفاله: "حاولت هذه
القوى جاهدة مجتمعة من أجل تفتيت بلدنا وتمزيقه بغية
ابتلاع خيراته وطمس حضارته فما استطاعوا لذلك سبيلا،
وبذلوا جهدهم ومكروا مكرهم في دق إسفين التفرقة والتناحر
ظناً منهم أنهم سينالون مبتغاهم فما تمكنوا، وأجهدوا الفكر
طويلاً للوصول إلى وسيلة ينفذون منها لشق الصف الواحد
للاستحواذ على خيرات هذا البلد الآمن فاهتدوا إلى فكرة
خبيثة لا تخطر إلا على بال شيطان رجيم حيث عمدوا إلى تفجير
أضرحة مقدسة شريفة ونسف مراقد وشواهد دينية لشتى الأديان
والطوائف ظناً منهم أن لعبتهم هذه ستنطلي على أبناء شعبنا،
فخاب فألهم ورد الله كيدهم إلى نحورهم برحمته وفطنة آبائنا
ويقظتهم وتلاحمهم".
وسكت الأب برهة ليلتقط أنفاسه وليرتشف جرعة ماء، ثم تنحنح
قليلاً ورمق أبناءه بنظرة فرآهم كما الطير على رؤوسهم، ثم
أسترسل قائلاً : "وتدارس الأشرار والحاقدون وضعاف النفوس
ونهازو الفرص فيما بينهم وهداهم تفكيرهم الخبيث إلى وسيلة
أخرى لربط اللحى بين أبناء فئات وطوائف الشعب المختلفة،
فقرروا قتل ( زيد ) تارة ليتبعه قتل ( عمرو ) في اليوم
التالي فأشيع حينها أن طائفة ( زيد ) قتلت غيلة وغدراً (
عمرواً ) وأن طائفة ( عمرو ٍ) مثلت بجسد ( زيد ) بعد قتله
أملاً بزرع بذرة الشقاق وإشعال حريق فتنة الإقتتال
والتناحر بين أبناء طوائف العراق فتختلط الأوراق ليخلو
الجو لها فتسلب ثرواته وتنهب خيراته وأبناؤه في غفلة
التصارع والتناحر، فكان مشيب الغراب أقرب إلى تحقيق ذلك
التخطيط والدهاء وعادوا يجرون أذيال الخيبة والخسران حين
شاركت طائفة ( عمرو ) بمجلس عزاء ( زيد ) ووقفت طائفة (
زيد ) في عزاء ( عمرو ) كتفاً بكتف".
"وماذا بعد يا أبي ؟... أكمل بالله عليك
... أكمل!" عبارة انطلقت بلهفة من فم أحد الصبية لقيت
صداها بابتسامة عريضة من الأب الذي أسهب قائلاً : " فضاق
صدراً عقلاء القوم ومحبو هذا الوطن، وتنادوا فيما بينهم
لنصرة بلدهم مرشدين ناصحين لرأب الصدع وتوحيد الكلمة
وتضميد الجراح وإيقاف نزيف الدم الزكي المراق على تراب هذا
الوطن الغالي من أجل رد كيد قوى الشر والظلام وضعاف النفوس
ونهازي الفرص ، وتنادى الخيرون من أبناء هذا البلد للقاء
والاجتماع والتشاور وتقريب وجهات النظر ونبذ أسباب الفرقة
المصطنعة، فكان أن دحر الظلام وحل الوئام وعاد السلام إلى
ربوع بلدنا وعاش شعبنا آمناً مطمئناً على تراب وطنه".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
نشرت في جريدة الزمان
بالعدد 2427 بتاريخ 15/6/2006 (*)
▲▲▲
|