|
( كيك ) الملكة ( ماري إنطوانيت ) !
(*)
فزعت السيدة الفاضلة صاحبة الصون والعفاف ملكة فرنسا (
ماري إنطوانيت ) من نومها ذات صباح على أصوات صريخ
وهتافات، فأطلت من شرفة قصرها وهي تتثاءب وتمط ساعديها و(
تطقطق ) أصابع يديها مستفسرة عن أسباب هذه الجلبة خارج
قصرها، فما أن علمت بأن الشعب قد تجمع أمام أسوار قصرها
مفتقدا ( الخبز ) مطالبا به حتى اعتراها الاستغراب
وارتسمت على قسمات وجهها علامات الدهشة، فمطت شفتيها وقطبت
حاجبيها إمتعاضا وسخرية ل ( تفاهة ) مطلبهم، والتفتت صوب
مائدة صغيرة قد وضع على سطحها قالب من ( الكيك ) بكامل
زينته وألوانه، فأقترحت على كبير مسئولي قصرها بأن يأكل
شعبها الجائع ( الكيك ) بدلا من ( الخبز ) المفقود ، وعادت
أدراجها الى فراشها الملكي الوثير لتنعم بنومها بعد أن
التهمت قطعة صغيرة من (الكيك ) تاركة أبناء شعبها يتضورون
جوعا أمام أسوار قصرها.
وما أشبه اليوم بالبارحة ، فبالأمس ادارت ( ماري انطوانيت
) ظهرها لشعبها تاركة إياه جائعا لتنام هي ملء جفنيها على
فراش ملوكي من الحرير والديباج وتحت متناول يدها ما طاب
لها من مأكل ومشرب وملبس ، متوهمة أن شعبها سياكل ( الكيك
) ويتراقص فرحا أمام أسوار قصرها يهتف بحياتها ويشيد
بحنكتها وفطنتها ، في الوقت الذي فات الملكة بأن ما يطلبه
الشعب هو مادة ( الطحين ) الذي قد نفد من المخازن أو كاد
يكفيها وحاشيتها حصرا. واليوم إذ تقتفي حكومتنا آثار (
ماري انطوانيت ) فتدير ظهرها لشعبها بعد أن وعدته بأحلام
وردية فقلبت له ظهر المجن واصدرت قرارات لم تجد لها في
التطبيق من تأثيرات ايجابية في وقف تداعيات الأزمة اليومية
التي يعيشها المواطن المبتلى فزادت من بؤسه شقاءا و لوعة
تراوحت بين ندرة طاقة كهربائية وشحة مشتقات نفطية وبطالة
متفاقمة بين صفوف أبنائها وجريمة منظمة تهز الشارع العراقي
هزا لا تجد من يردعها أو يحجمها.
واخيرا ... فقد توالت الأنباء من كل حدب وصوب عن بنود
اتفاق موقع ( غير معلن ) بين حكومتنا المنتهية ولايتها
وصندوق النقد الدولي بإجراء زيادات جديدة متلاحقة في اسعار
الوقود لتطابق مثيلاتها في دول العالم، ومما يزيد الأمر
سوءا أن التوقيع على هذه القرارات قد تم دون مناقشتها من
قبل السادة أعضاء الجمعية الوطنية العراقية لغرض تشريعها
واكتسابها شكلا قانونيا يعترف به دوليا حيث ابقتها طي
الكتمان حتى تسربت بشكل أو بآخر!!.
لقد تناست حكومتنا تداعيات تنفيذ هذه القرارات مستقبلا
وتاثيراتها السلبية على أصحاب الدخل المحدود من الموظفين
والمتقاعدين و صغار الكسبة الذين يسعون لسد رمق عوائلهم
يوما بيوم إضافة إلى الشريحة الواسعة من أبنائنا العاطلين
عن العمل، كما فات حكومتنا ومستشاريها الاقتصاديين بأن
المستوى المعاشي لدول العالم قد استقر وتكيف على ارتفاع
الاسعار هذه منذ فترة طويلة بعد اتخاذ حكوماتهم لسلسلة من
الاجراءات الاقتصادية السليمة في التدرج المبرمج في ارتفاع
الأسعار دون اعتماد مبدأ الصدمة المزلزلة الواحدة ، مقارنة
بما نحن فيه من تدن كبير للمستوى المعيشي وعدم توفر أسس
الحياة الكريمة وعدم استقرار أوضاع البلد الأمنية
والسياسية ، لاسيما بعد ما لاقاه شعبنا من ويلات حروب
وحصار وتجويع امتد لعقود من السنين.
أنني أرى وعبر مقالتي هذه ضرورة التزام الحكومة القادمة
باحترام القانون الذي جعلها جهة تنفيذية وعدم إمرار أو
اتخاذ قرار ( سيادي ) يخص مستقبل ثروة البلاد ورخاء
أبنائه إلا بعد الرجوع والاستئناس برأي السادة أعضاء
البرلمان القادم ليأخذ تشريعا قانونيا معترفا به بدلا من
تمرير القرارات من خلف ظهره، هذا من جانب ، ومن جانب آخر
أرى من الأهمية بمكان الاهتمام بمسألة إعادة بناء وترميم
جسور الثقة مع أبناء الوطن بعد تداعيات الوضع المعيشي
والأمني للمواطن في الفترة المنصرمة من خلال مراجعة كافة
القرارات التي اتخذت فيما سبق وتصحيح ما كان فيه مساس
بسيادة الوطن وتكبيل لاقتصاده الوطني بما ينعكس سلبا على
أجيالنا القادمة، فالغصون متى ما قومتها اعتدلت أو كما قيل
بالامثال : ( لا يستقيم الظل
والعود أعوج ).
قال الإمام علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ) :- (قدر
الرجل على قدر همته ، وصدقه على قدر مروءته ، وشجاعته على
قدر أنفته ، وعفته على قدر غيرته )، والحر تكفيه
الإشارة!!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان بالعدد
2331 بتاريخ 14/2/2006 (*)
▲▲▲
|