|
الحكومة و ( الكاميرة الخفية ) (*)
لطالما استهوتني المقالب ( البريئة ) التي كان يتفنن كادر
برنامج ( الكاميره الخفية ) بإعدادها والتي كان من خلالها
يتم اصطياد أناس أبرياء فيقعون في ( حيص بيص ) قد تصل
احيانا حد الاستهزاء والترويع بقصد امتاع المشاهدين ورسم
الضحكات البريئة على وجوههم، ليتم في نهاية البرنامج إخبار
الصيد المستغفل أو ما يطلق عليه بلهجتنا الدارجة ( الكمش)
بأنه كان قد تعرض ( رغم أنفه ) لمقلب ضاحك أسعد الجمهور
المتحلق حول شاشات التلفزيون وأدخل البهجة في قلوبهم مع
تطييب خاطره ببضع كلمات تشجيعية وابتسامات ماكرة و (
طبطبات ) على كتفه وسط دهشته وخجله مما وقع فيه.
ولا أفشي سرا إن قلت بأن وقتا طويلا قد استنفدته في
محاولة إيجاد قاسم مشترك يربط بين فكرة هذا البرنامج وبين
تداعيات أحوالنا وما آلت إليه أوضاعنا من ( بهدلة ) وحرمان
، وقد أوصم بسذاجة ومحدودية التفكير وسطحيته إن أعلنت عبر
مقالتي هذه عن قناعتي من أن حكوماتنا ( الوطنية ) التي
تعاقبت على قيادة شعب العراق بعد سقوط النظام السابق ربما
تكون قد استهوتها فكرة البرنامج الشيق هذا فعمدت على تبني
فكرة استخدامه فجعلته فصلا من فصول برامجها السياسية (
المتطورة ) لتلاعب أبناء شعبنا فتوقعه تارة بمشاكل نقص
الطاقة الكهربائية وندرة المشتقات النفطية وأزمات فقدان
الأمن والاستقرار وتدخله تارة أخرى في دوامة الفردي
والزوجي ونقص مفردات البطاقةالتموينية، ليأتي يوم بعد
استكمال باقي فصول برنامجها السياسي ( المتطور ) المتعلق
بالبناء والإعمار لتفاجئه بأن ما كان قد صادفه طيلة فترة
حكمها من ( بهدلة ) لا يتعدى لهوا بريئا ضمن برامج (
كاميره الحكومة الخفية ) زامن مرحلة التخطيط والبناء
والاعمار قصدت منه الترفيه عن نفسيته وادخال السرور
والمواقف الطريفة على مفردات حياته اليومية المثخنة
بالآلام والجراحات والآهات جراء طول فترة حرمانه وشده
العصبي لعقود خلت شملت حربي الخليج الأولى والثانية مرورا
بفترة حصار جاع فيه الشعب وسيم سوء العذاب واضعف في قدرته
الشرائية وانهار اقتصاد بلده وتدهورت قيمة عملته وانتهاءا
ب( تشريف ) القوات الامريكية ( الصديقة ) أرض العراق بقصد
( تحريره ) وانتشاله من أوضاعه تلك وادخاله ( عنوة ) في
خانة الدول ( الديمقراطية ) لتعم حياته البهجة والحبور
والسعادة في آخر المطاف.
وتارة يقدح زناد فكري في تحليل مسببات ما نحن فيه من وضع
مأساوي مقيت وحرمان طويل لم ينفع معه ( تحرير ) العراق
ودخول الديمقراطية من أوسع أبوابه ورفع الحصار الجائر عن
شعبه بعد سقوط نظامه السابق فاهتديت إلى اعتقاد أن برامج
حكوماتنا ترتكز على مرحلتين مترابطتين متلاحقتين تكمل
إحداهما الأخرى تبدأ الأولى بممارسة الضغط والتضييق على
أبناء شعبنا بقصد البناء النفسي المتين لمواطننا وتأهيله
نفسيا للمرحلة القادمة من برنامج الحكومة الخاص بالبناء
والاعمار بناءا لتفسيرها لحديث سيد الكائنات رسولنا العربي
محمد ( ص) الذي قال ( إخشوشنوا فإن الترف يزيل النعم )،
فاتجهت الحكومة وفق منظورها هذا لتطبيق هذا الحديث الشريف
دون سواه وراحت تسعى جاهدة لإزالة كل شكل من أشكال النعم
والرفاهية والرخاء والحقوق الانسانية المتعارف عليها دوليا
بقصد تحفيز إرادة أبناء الشعب وإشعال جذوة نشاطهم ليرتقي
تفكيرهم عن ( الماديات ) وتسمو أرواحهم عنها ليتم الانسجام
والتلاقح مع المرحلة الثانية من برامج الحكومة الطموحة
المتمثلة بمرحلة البناء والإعمار !!.
نأمل من حكومتنا الوطنية القادمة أن تكتفي بما مررنا به من
فترة اختبار وتدريب وتأهيل طال كل مرافق حياتنا فأصابها
الشلل والجمود، وآن لها أن تقتنع باستعدادنا الروحي
والنفسي والجسدي والعاطفي على تحمل أعباء الفترة القادمة
الخاصة بالأداء الشفاف والبناء والإعمار.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان – العدد 2321
بتاريخ 1/2/2006 (*)
▲▲▲
|