|
لا ترى الجاهل إلا مُـفـْرطاً أو
مُـفَرّطاً !! (*)
كم كان البارئ رحيما حين خلق الأرض بمن عليها فلم
يترك مصائر عباده تتقاذفها أمواج الأقدار، بل سخـّر ما فوق
الأرض وما تحتها لخدمتهم و طوع بنانهم، فزرع فيها ما يسد
جوعهم وأجرى على سطحها ما يطفئ ظمأهم وهيأ لهم من
المستلزمات ما يتفننون ويجتهدون باستخدامها وتطويعها إلى
ما ينفعهم في تيسير شؤون حياتهم مستعينين بذلك بما وهبهم
الله من عقل ضم بين طيات تلافيفه الحكمة والفطنة والضمير
ليعينهم على التفكر والتدبر والاهتداء إلى سبل البقاء
والتغلب على صعاب الحياة وتقلب الأحوال.
ولعل حكمة البارئ العزيز أن جعل من خيراته ما يكون
سلاحا ذا حدين ، فتارة تكون ( نعمة ) لمن امتلك ناصيتها
وأحسن استغلالها بحكمته ويقظة ضميره ووازعه الوطني فكانت
سببا في رخاء عيشه وهناء باله واستقرار حاله فيحمد الله
لذلك كثيرا، وتارة أخرى تصبح ( نقمة ) لمن سار منقادا
لأهوائه وأطماعه فابتعد بذلك عن الحكمة والضمير فلم يعط
للنعمة التي وهبها الله القدير حقها وقدرها بحسن استخدامها
وتطويرها فانقلبت عليه وبالا نكالا وجلبت له الكوارث
والمآسي، ولعل في نعمة ( النفط ومشتقاته ) ما تحمل في
طياتها سلاحا ذا حدين، ولعل العراق خير مثال لمن امتلك
نعمة ( النفط ) فما أحسن قادته وأولو أمره استغلالها طيلة
العقود المنصرمة فتارة يتبخر منها جراء سوء التخطيط وعدم
التحسب لعاديات الزمن ليتم الإجهاز على ما تبقى منها تارة
أخرى، فتكون المحصلة كالمثل الشعبي الدارج ( لا حظت
برجيلها ولا خذت سيد علي ).
لقد وضعت (
منذ أمد بعيد ) شركات النفط العالمية أعينها على نفط
العراق الذي يمثل ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم في
الوقت الذي يملك لوحده عشرة في المائة من احتياطيات العالم
النفطية علاوة على ما يملكه من احتياطيات محتملة غير
مكتشفة في صحرائه الغربية، وها هي اليوم وفي
ظل اضطراب المشهد العراقي
قد اقتربت من
تحقيق ما كانت تعتبره حلما ورديا عصيا طالما راودها
بمحاولة عقد صفقات استكشاف نفطية مع الحكومة العراقية
باعتراف منظمة بلاتفورم (
وهي
إحدى منظمات المراقبة الخاصة
بصناعة النفط في لندن ).
لقد أصدرت
منظمة بلاتفورم
تقريرا عن أبعاد
هذه الصفقات والعقود وحذرت من
نتائجها
جاء فيه (
أن
صفقات استكشاف النفط، التي يتم
التفاوض بشأنها حاليا بين الحكومة العراقية وشركات النفط
العالمية، يمكن أن تكلف العراقيين ما يصل إلى 194 بليون
دولار في شكل عائدات ضائعة،
إضافة إلى أنها ستؤدي إلى تحويل أكثر من ثلثي احتياطي
النفط في البلاد ليكون تحت
سيطرة الشركات الأجنبية )، في الوقت الذي يبين جريج موتيت،
من منظمة بلاتفورم خطورة هذه العقود قائلا [ إن هذا الشكل
من العقود، والذي
يتم الترويج له، هو أعلى العقود
الموجودة تكلفة وأكثرها ظلما وإجحافا؛ فالنفط
العراقي يجب أن يكون لمصلحة
الشعب العراقي وليس لمصالح الشركات الأجنبية ].
لقد أطلقت على هذه العقود
تسمية ( اتفاقيات تقاسم الإنتاج ) والتي تمتد آجال
امتيازاتها لفترة
تتراوح بين 25 و40 عاما، حيث
يُمنع فيها إجراء تدقيق عام ولن يتمكن
العراقيون مستقبلا من مقاضاة
هذه العقود في المحاكم العراقية؛ وذلك لأنها قد احتاطت
للأمر فاشترطت أن يتم عرض كل
المنازعات المستقبلية أمام
المحاكم الدولية المختصة بقضايا الاستثمار والتي ستحكم
تلقائيا لها دون الإلتفات إلى المصالح الوطنية
للعراق.
يقول الإمام علي بن أبي طالب ( رضي
الله عنه وأرضاه ):
لا ترى الجاهل إلا مُـفْرطا أو
مُـفَرّطا، فإذا كان بالأمس قد ضاع (
خيط ) نفطنا من أيدينا تفريطا وجهلا منا ، فما أحوجنا أن
نحتاط ليوم لا نرى ( عصفوره ) وقد شد الرحال تاركا لنا قش
عشه اليابس فنندم على ما كان بأيدينا، حينها لا يقال إلا
... ولات ساعة مندم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان – العدد
2309 بتاريخ 18/1/2006 (*)
▲▲▲
|