|
ما حـَكَّ جلدك مثل ظفرك !!(*)
قيل الكثير عن الجهود الأمريكية التي بذلت من أجل العراق
والمتمثلة بالدماء الأمريكية التي سالت على أرض الرافدين
وتلك المليارات من الدولارات الأمريكية الطائلة التي أهدرت
و( أحرقت ) في سبيل تحقيق ما كان قد قرره الرئيس الأمريكي
( بوش ) من احتلال للعراق تحت ذرائع ومسميات تباينت بين ما
هو معلن وبين ما كان خفيا لا يعلمه إلا الله والدائرة
الضيقة المحيطة بالرئيس الأمريكي من المحافظين الجدد.
وبغض النظر عن النوايا ( الخفية ) للاحتلال والذرائع
الأمريكية ( المعلنة ) في إدخال الديمقراطية إلى العراق
وادعائهم بجعله أنموذجا يحتذى به في منطقة الشرق الأوسط
بعد أن تناسوا أسلحة الدمار الشامل التي طالما طبلوا لها
وزمروا في وسائل إعلامهم، فإن التساؤل المطروح الآن... ما
محصلة ما تحقق من وعود وأحلام وردية شربها العراق بكأس
أمريكي حتى الثمالة طيلة ثلاث سنوات من بعد سقوط النظام
السابق سيما بعد التصريح الأخير للرئيس بوش نيته ببدء سحب
قواته جزئيا مطلع الربيع القادم؟.
إن ما دعانا لطرح تساؤلنا هذا يرتبط بشكل مباشر بكثرة
التصريحات والانتقادات القاسية ألتي يواجهها الرئيس ( بوش
) داخل الولايات المتحدة الأمريكية لإسلوب معالجة إدارته
للحرب في العراق و لعدم وجود استراتيجية واضحة في إدارة
الشأن العراقي وما رافقها من تلكؤ عمليات إعمار العراق
وعدم تلمس نتائجها رغم المليارات التي خصصت لها وصرفت طيلة
الفترة المنصرمة والتي جاءت ( حسبما جاء في الصحف
البريطانية ) انعكاسا لحقيقتين أولاهما أن العالم الإسلامي
بات أكثر راديكالية وعداءا للسياسة الأمريكية التي جعلت من
أرض العراق ساحة لتصفية حساباتها مع القوى التي تناصبها
العداء الفكري والممارسي و ثانيهما غرق العراق نفسه ( جراء
تلك السياسة ) في بحر لجي هائج من أمواج الفوضى وعدم
الاستقرار بحجة محاربة ( الإرهاب ) والتي قد تنعكس بشكل أو
بآخر إلى دول الجوار.
لقد اعترف بول بريمر ( حاكم العراق الأوحد إبان مجلس الحكم
الانتقالي ) صراحة في مذكراته التي نشرت مؤخرا بعدم وجود
خطة أمريكية مفصلة لإعادة إعمار العراق، كما تطرق إلى عدم
وجود المعلومات الاستخباراتية اللازمة للتعامل مع تمرد
ومقاومة لم تتنبأ بها الإدارة الأمريكية ولم تتوقعها قبل
قرارها بدخولها الحرب في العراق والذي كان عاملا رئيسيا
لفشل السياسة الأمريكية في استقرار الأوضاع في العراق
وتلكؤ حملة إعماره وإعادة بنيته التحتية ولو بالحد الأدنى
الذي كانت عليه قبل الحرب، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فقد
نشرت صحيفة ( الواشنطن بوست ) خبرا من أن الإدارة
الأمريكية لن تسعى إلى تخصيص أموال إضافية لإعادة بناء
العراق في الميزانية الجديدة التي ستقدم للكونغرس
الأمريكي، مما يعني اعترافا ضمنيا من الإدارة الأمريكية
بفشل جهودها في بناء العراق وما سيترتب عن ذلك من بقاء
قطاع نفطي متعب ومتهالك وشبكة طاقة كهربائية بمستوى إنتاج
متدن وسيئ لا يقترب من حدود إنتاجها في الفترة التي سبقت
الحرب فيما يعد أيضا تراجعا عن وعد أمريكي بمنح العراق
أفضل بنية تحتية في المنطقة.
أما الحديث عن ثمار الديمقراطية الأمريكية ألتي تمثلت
بإجراء العمليات الانتخابية الثلاث التي جرت في العراق،
فقد ساهمت هذه الانتخابات بشكل أو بآخر إلى تحويل القضية
السياسية في العراق من دعوة قوات الاحتلال إلى وضع جدول
زمني لانسحابها إلى صراع مرير وقاس ( باسم الديمقراطية )
على السلطة المدنية وهذا ما نوهت عنه صحيفة الفاينانشيال
تايمز في إطار تحليلها لحصاد عام 2005. كما بات واضحا بأن
هذه الانتخابات قد ساهمت بشكل أو بآخر إلى تخندق ( طائفي –
عرقي ) حاد تمثل بتشكيل وقيام كيانات سياسية ذات النظرة
الفئوية الواحدة ( على الرغم من التزويق والادعاء بتنوع
ألوان الطيف المنضوية تحت أجنحة هذه الكيانات ) شاركت
بالانتخابات الأخيرة ومارست شتى أنواع الممارسات غير
القانونية في الاستحواذ على أكبر قدر من المقاعد
البرلمانية وصولا إلى مأربها باستئثارها لأكبر عدد من
الحقائب الوزارية في الحكومة العراقية القادمة في الوقت
الذي ازداد المشهد الأمني العراقي سوءا وارتباكا وفوضى.
وليس بالأمر الخفي أن النتائج الأولية التي أعلنتها
المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تشير وبوضوح تام أن
البلاد تتجه إلى تقسيمات مناطقية واضحة المعالم ( سنية
وشيعية وكردية ) لتنذر بعدها ببدء العد التنازلي لرسم
خارطة سياسية جديدة للعراق وما تعنيه هذه الخريطة من تشظية
وتشرذم للمجتمع العراقي ( لا سمح الله )، فهل نحن مدركون
لحقيقة ما نحن فيه ؟! فإن كانت كياناتنا السياسية تدرك
فتلك مصيبة وإن كانت لا فالمصيبة أعظم!!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان – العدد 2308
بتاريخ 17/1/2006 (*)
▲▲▲
|