|
الله الله في العراق (*)
تساؤلات طالما راودت أذهان المؤرخين ولم يقعوا على إجابة
تشفي غليلهم... ما الذي دفع ( نيرون ) للإقدام على إحراق
مدينته ( روما ) فيما كانت أنامله تداعب أوتار قيثارته؟
أكان ( نيرون ) آنذاك بكامل وعيه أم كان في حالة من
الاضطراب النفسي واهتزاز الشخصية؟.
ولا أعتقد أن ملما بتاريخ روما أو حكيما نفسيا متمرسا في
استقراء وتحليل ما يجيش من إحباطات وتعقيدات نفسية متراكمة
في أعماق البشر يستطيعان أن يعطيا عذرا ( منطقيا ) واحدا
لخطوة ( نيرون ) تلك، وجل ما أذهب إليه بقولي أن يكون الله
في عون الشعوب إذا ما ابتليت بحكام وساسة من أشباه ( نيرون
) يُسَـوّغون لأنفسهم تدمير بلدانهم واللعب بمصائر شعوبهم
جراء عوامل شتى يدخل في حساباتها قصر النظر والنزوات
والاضطراب في تكويناتهم النفسية و حب الجاه واستئثار
المنصب.
نعود بحديثنا حيث مربط فرسنا وبيت قصيدنا فنقول... حين
خرجت حشود العراقيين بمختلف أديانهم وطوائفهم وعرقياتهم
وتوجهاتهم السياسية للإدلاء بأصواتهم فإنهم قد خرجوا
مؤمنين بخيار العملية السياسية ( طمعا ورغبة وأملا )
بإنقاذ وطن مهدد بالانشطار والتشظي وتخلص من أوضاع مأساوية
جاءت كتحصيل حاصل لبذرة الشقاق التي زرعها ( بريمر ) في
أرض العراق حين أقدم على تشكيل مجلس الحكم الانتقالي وفق
صيغة المحاصصات الطائفية والعرقية، ثم سقاها ورعاها فأعطت
أكُـلـَها باصطفاف طائفي وتخندق عرقي لتكون شجرة الفتنة
والتقسيم.
وإذا كان ( نيرون ) قد أحرق بضعة أبنية وأثاث لسبب لا
يذكره التاريخ، فإن ما نراه اليوم في العراق من تداعيات
الموقف السياسي والتخندق الأعمى خلف هذا الكيان أو ذاك
سيؤدي ولا شك إلى تقسيمه وتفتيته أولا ليتم ابتلاعه
بثرواته وخيراته آنفا ليصبح أثرا بعد عين!!.
وإزاء تأزم المواقف في المشهد العراقي ودخول العملية
السياسية في متاهات وأنفاق مظلمة، وإذا تجاوزنا الحديث عن
تجاوزات وانتهاكات رافقت العملية الانتخابية في 15/12/2005
واتهامات بالتزوير طالت كيانات سياسية وألقت باللوم
والتقصير على عاتق المفوضية العليا المستقلة للانتخابات،
فما أحوج رجالات الكيانات السياسية جميعا لموقف شبيه بموقف
تلك المرأة التي فجعت يوما بسلب رضيعها منها من قبل امرأة
ثانية ادعت أنه ولدها، فكان أن احتكمتا عند ذي رأي حصيف
فاحتار في الحكم لأول وهلة، إلا أنه اهتدى أخيرا بفطنته
وحسن دهائه إلى أمه الحقيقية حين أشار بأن يتم شطر الرضيع
إلى نصفين لتحظى كل امرأة بنصف رضيع فإذا بأم الرضيع تنكر
أنه وليدها واختارت أن تدفع ( ثمنا ) باهظا حفاظا على
حياته ولكنه أعيد إليها أخيرا. فإن الحاجة ماسة لقيام جميع
رجالات الكيانات السياسية المشاركة بالانتخابات بالتمعن
تارة بموقف هذه الأم والثمن الذي اختارت بمحض إرادتها أن
تدفعه حفاظا على حياة رضيعها و( سلامته ) والتفكر تارة
أخرى بفعلة نيرون ونتائج فعلته الشنعاء تلك التي سجلها
التاريخ، فما أبخس ( الثمن ) الذي ستدفعه كيانات سياسية
بإعادة الانتخابات ( جزئية أو كلية ) من أجل الحفاظ على
مستقبل العراق وتوحد كلمة أبنائه وهو موقف سيسجله التاريخ
وستذكره الأجيال القادمة بفخر واعتزاز لمن صان العراق
وأبعده عن مصير مجهول كان يتربص به، هذا من جانب، ومن جانب
آخر فإنها ستكون قد أعطت للشعارات التي رفعت عشية
الانتخابات مصداقية وأبعادا في حب الوطن والولاء لوحدة
المصير، هذا سيما وأن من اقترع بالأمس لهذه الكتلة أو تلك
فإنه سيعاود الاقتراع لها مجددا إذا ما أعيدت الانتخابات
ثانية. فالله الله في العراق، الله الله في تاريخ العراق،
الله الله في أرض الأنبياء ومراقد الأئمة الطاهرين
والأولياء الصالحين.
قال الإمام علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه ): الدنيا دار
ممر إلى دار مقر والناس فيها رجلان، رجل باع فيها نفسه
فأوبقها ورجل ابتاع نفسه فاعتقها. كما قال في
موضع آخر : اتقوا الله في عباده
وبلاده فإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله
ولا تعصوه وإذا رأيتم الخير فخذوا به وإذا رأيتم الشر
فاعرضوا عنه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان العدد 2304
بتاريخ 9/1/2006 (*)
▲▲▲
|