|
( دون كيشوت ) وطواحين الهواء !!(*)
لا أعتقد أن هناك من يحسدنا على ما آلت إليه أوضاعنا وما
نحن فيه، وإذا وجد مثل هذا الحاسد فهو إما أن يكون مغفلا
جاهلا يفتقر إلى منطق التفكير وحنكة التدبير، أو مجنونا
طار من رأسه العقل فلم يعد يفرق بين زقزقة العصافير ونهيق
الحمير ( أجلكم الله ). والحسد إذا ما أشتعل أواره في صدر
امرؤ فإنما يتأتى من نعمة وترف وسعادة ورخاء يفتقدها تماما
و يبصرها عند غيره، فهل هناك ــ و في ظل ما نتخبط به وما
يحاك لنا ويدبر ــ ما نستحق أن تشتعل الصدور غيرة فنرشق
من أجله بسهام الحسد؟ وهل هناك شعب على وجه المعمورة من
يساوينا تعاسة وشقاءا وبؤسا رغم ما بين ظهرانينا من ثروات
طبيعية تكفينا نحن وأجيالنا القادمة والتي لو أحسنا
استغلالها وعملنا على استثمارها لكنا بأمس الحاجة إلى
تعويذة ( أم سبع عيون ) نعلقها على مداخل منافذنا الحدودية
وأبواب سفاراتنا في دول العالم إتقاءا من سهام الحسد
والغيرة وخوفا من أن تطير النعمة وتزول، ولو أنها في كل
الحالات سرعان ما ستتبخر وتزول من غير حاجة إلى الحسد!!.
إن أخطر ما نواجهه اليوم ظهور دعوات من هنا وهناك تبنتها
عدة كتل سياسية تتسم بالصبغة الواحدة ( الدينية والطائفية
والعرقية ) عملت وجاهدت لترسيخ مفاهيم وممارسات تمثلت
بثقافة الإيحاء الطائفي – العرقي والتي جعلت صورة المشهد
العراقي بهذا التشوه والتمزق المتمثل بالتخندق والاصطفاف
الطائفي – العرقي!!.
إن ناقوس الخطر والتحذير من هذا الاستقطاب الذي وضحت صورته
قبل وبعد ظهور النتائج الأولية للانتخابات الأخيرة وما
أعقبه من دخول العراق بأزمة سياسية طاحنة ( لا نعرف متى
وكيف ستنتهي ؟ ) يؤكده ما جاء بتقرير الأمم المتحدة الخاص
بوضع حقوق الإنسان العراقي للفترة التي تلت سقوط النظام
السابق ولغاية 31/10/2005 والذي يشير صراحة إلى ظهور بوادر
لتدهور في العلاقات بين أفراد المجتمع العراقي وتحولها إلى
حالة من الخوف والريبة والانتقام مما ينبئ إلى زعزعة
التعايش السلمي الذي كان إلى وقت قريب السمة التي تميزت
بها العلاقة السائدة بين مكونات المجتمع العراقي طيلة
الحقب المنصرمة.
لقد جاء تقرير الأمم المتحدة هذا تأشيرا لواقع ما آلت إليه
أوضاعنا نتيجة مخطط مرسوم خارج الحدود يستند إلى مفهوم (
فرق تسد ) لتشظية المجتمع العراقي وتقسيمه بغية تهميشه
وابتلاع خيراته، تسانده بممارساتها وتوجهاتها قوى داخلية (
سهوا أو عمدا أو اضطرارا ) لتكريس التخوفات الطائفية
والإثنية بين ألوان طيف النسيج العراقي بغية إرغام
الجميع على تبني خيار التكتلات
الطائفية والإثنية لحماية أنفسهم من ( وهم ) وقعوا فيه كما
وقع (دون كيشوت) في وهم محاربة طواحين الهواء.
قيل في الأمثال: إن لم تقل خيرا فاصمت، وها أنذا أقولها
محبا صادقا لجميع التكتلات والاحزاب السياسية ذات التوجه
الفئوي الضيق ... حذار ثم حذار ثم حذار من تبني ثقافة
الإيحاء ( الطائفي – العرقي ) وأعيدوا حساباتكم للمرحلة
القادمة من عمر العراق السياسي واحرصوا أن تناغي خطاباتكم
وبرامجكم السياسية مشاعر وطموحات ابن البصرة والموصل
والعمارة والسليمانية والأنبار كي تكون تكتلاتكم وأحزابكم
حدائق غـنـّاء تزهو بألوان وأزاهير طيف المجتمع العراقي
بالمفهوم الواسع ( لا الدعائي ) من أجل ترسيخ الوحدة
الوطنية لأبناء العراق من شماله حتى جنوبه، وتذكروا حديث
الرسول الأعظم محمد ( صلى الله عليه وسلم ) : أيها الناس !
إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم ، كحرمة
يومكم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت ؟ أللهم فاشهد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان بالعدد
2300 بتاريخ 4/1/2006 (*)
▲▲▲
|