|
أول الشجرة بذرة (*)
إن إقامة مجتمع عراقي معاصر يرفل مواطنوه بحياة حرة كريمة
في ظل سيادة القانون هو الهدف الذي نسعى إليه جميعا أسوة
بمجتمعات الدول المتقدمة التي سبقتنا في ترسيخ مبادئ حقوق
الإنسان وتوطيد المفاهيم الديمقراطية.
لقد ارتكزت دول العالم المتقدم على ثلاث مقومات أساسية
مترابطة فيما بينها في (عصرنة) مجتمعاتها وجعلها ترفل
بالاستقرار والطمأنينة والازدهار تمثلت بتأسيس حكم دستوري
أولا واختيار الديمقراطية خيارا ونهجا و سبيلا ثانيا
وإعلام حر مستقل وفعال ثالثا فساهمت هذه المقومات الثلاث
مجتمعة في بناء وترسيخ مجتمعات متقدمة ومتطورة ومستقرة
وترسيخ وحماية واحترام حقوق الإنسان فيها.
إن ما يميز دول العالم المتقدمة التي تتبنى الديمقراطية
نهجا وممارسة ( لا شعارا يعلق في الشوارع وفوق رؤوس
المسئولين في مكاتبهم ) وتحترم حقوق وخيارات مواطنيها في
حياة حرة كريمة وجود منظمات المجتمع المدني التي تمتلك
من البرامج الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية وغيرها
بما يؤهلها لأن تلعب دورا فاعلا
في مساندة الحكومة على إحداث عملية التغيير الاجتماعي
والسياسي والثقافي المطلوب والارتقاء بالعملية السياسية
وفق معادلة متوازنة كان للدستور الفضل الأكبر بصياغتها
لإجبار الحكومة أن تتقاسم فيها الأدوار والمسؤوليات مع هذه
المنظمات بما يضمن تحقيق تطور المجتمع ورقيه واستقراره، في
الوقت الذي يبرز فيه دور الإعلام الحر ليعمل وفق خطين
متوازيين في آن واحد يتمثل ( أولهما ) بإشاعة ثقافة
قانونية لتعريف المواطنين بحقوقهم وواجباتهم وحرياتهم
وتوعيتهم بآليات ممارستهم لهذه الحريات وحدودها لضمان عدم
تجاوزها و( ثانيهما ) بممارسة دورها الطبيعي في مراقبة
الأداء الحكومي لتقييم أدائها وإنجازاتها من جانب وتقويمها
إن أخطأت وانحرفت عن برنامجها السياسي المعلن من جانب آخر
فيكون الإعلام الحر بذلك عين المجتمع الساهرة واليقظة في
مراقبة الأداء الحكومي والكشف عن الانحرافات أولا بأول.
وكي تتمكن منظمات المجتمع المدني من أداء دورها في تعزيز
الديمقراطية في المجتمع وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان فيه
وبشكل يتسم بالفاعلية والتأثير على الحكومات التي تتعاقب
على قيادة البلاد فأنه لابد وأن تتحلى بجملة صفات منها
استقلالية نشاطها بما يمنع وقوعها تحت سيطرة الحكومة
فتسيرها وفق ما تشتهي وتريد مع درجة عالية من الانتماء
الوطني لجعل المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار فئوي أو عرقي
أو جبهوي وفتح أبوابها لعموم المواطنين لتيسير انخراطهم
فيها لرفدها بطاقات إضافة إلى ترسيخ الديمقراطية داخل هذه
المنظمات نفسها بدرجة عالية من الشفافية بما يعني عدم
احتكار أفراد محددين لأنشطتها وتجييرها لمصالحهم الشخصية.
إن من دواعي مطالبتنا لهذه المنظمات بترسيخ مبادئ
الديمقراطية ( شعارا وتطبيقا ) داخل أروقتها تكمن أساسا
لتحصينها من الوقوع في استبدادية الممارسة والاحتكار التي
قد تبدر من بعض أعضائها والتي ستؤدي إلى إضعافها حتما
ووقوعها تحت سيطرة الحكومة وانقيادها التام لإملاءاتها مما
سيفقدها المصداقية في أداء عملها ( أولا ) ويجردها من قوة
تأثيرها في المشاركة في اقتراح وتعديل القوانين التي تهم
المواطن و ممارسة دورها الطبيعي كرقيب على السلطة
ومحاسبتها إن اقتضت الضرورة ( ثانيا ) آخذين بنظر الاعتبار
أن الحكومة مهما رفعت من شعارات وأعلنت فيها عن تبنيها
للديمقراطية في نهجها وممارساتها فإنها قد تضيق ذرعا
بأنشطة منظمات المجتمع المدني فتحاول احتواءها تحت
جناحيها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان بالعدد
2288 بتاريخ 20/12/2005 (*)
▲▲▲
|