|
بعد أن ضاق المارد ذرعا (*)
( يشوف الموت حتى يرضى بالصخونه ) ... مثل شعبي دارج يقصد
به سد المنافذ بوجه المرء وإجباره على اختيار أمر كريه كان
يتجنب الوقوع فيه بعد أن يصبح قاب قوسين أو أدنى من الوقوع
في منفذ فيه هلاكه والقضاء عليه، ولقد تعمد سارد المثل
بذكر الموت والسخونة ( الحمى ) كخيارين متاحين أمام المرء
لغرض منح هذا المثل آفاقا واسعة من الخيال فيكون بداهة
تفضيل المرء لخيار الحمى وما ترافقها من ارتفاع درجات
حرارة الجسم و( هد الحيل ) ونوم في الفراش أملا بالشفاء
يوما بدلا من أن يتـزود بتذكرة سـفر بدون مرجع (one
way ticket) إلى القبور انتظارا
ليوم النشور. ولم يقتصر استخدام هذا المثل عند حدود الحالات الفردية بل
رأينا هذا المثل و قد تطورت فكرته واتسعت آفاقه بشكل
مأساوي بعد أن دخلت الحكومات الوطنية مجال الاستثمار في
هذا الجانب فاستحسنت حكومات العهود السابقة فكرة خلق
مستويات متعددة لأزمة ما في حياة المواطنين بغية إشغالهم
ليتم بعدها الترويج والتبشير والتبرير لاختيار أهونها
فكانت بعملها هذا قد عملت على تطوير الغاية من هذا المثل
في تبرير إخفاقها وفشلها من جانب، ومن جانب آخر لتحقيق
غاياتها المتمثلة بفرض سياسة الأمر الواقع فيلجأ الناس
مكرهين لاختيار ما كان قد طرح أمامهم من واقع حياتي يائس
ناشئ عن سوء إدارة وتخبط قرار وضيق أفق باعتبار أنه أهون
الشرين لتعلو عندها الزغاريد وتقام الأفراح والليالي
الملاح وتبدأ الأقلام المأجورة والحناجر الموتورة بوصف
الأمر وكأنه نصر أضيف لمسيرة إنجازات الحكومة فيقلبون
الفشل إلى نجاح والإخفاق إلى نصر وإنجاز. وللإنصاف فان عهد
ما بعد ( التحرير ) لم يعمل على اجتثاث هذه الإرهاصات
والممارسات في إدارة الأزمات بعد استحداثها لما سلف من
عهود سبقته أو يقضي عليها بعد أن كان ينتقدها يوما ما بل
اعتمد كلية على هذا الخيار الإستراتيجي واتسع بممارساته
لتشمل كافة مرافق الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية
تاركا المشاكل معلقة بأنصاف الحلول وإقناع المواطنين بوجهة
نظره القائلة بأنه ( لم يكن بالإمكان أفضل مما كان ) وأن
ما يحيط بها من أعباء ومشاكل إنما كانت تركة ثقيلة تم
توارثها عن عهود سابقة، متناسين في الوقت نفسه ما قد حققوه
لأنفسهم من مكاسب ومنافع بفضل إمكانيات و طاقات مارد
فانوسهم السحري الذي جلس باكيا يفكر جديا بهجرة الفانوس
والهرب إلى حيث يطلب لنفع عام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان بالعدد
2279 بتاريخ 8/12/2005 (*)
▲▲▲
|