كابوس بعد منتصف الليل
(*)
استيقظت
فجر أحد الأيام فزعا مرتعبا متصببا بالعرق الغزير اثر ليلة
لم تزرنا فيها الكهرباء كعادتها ، وتلفت يمنة ويسرة بأعصاب
مشدودة ويدين مرتعشتين كمن تلبسه الجان ، وما هي إلا لحظات
( صفنه ) وسط ظلام الغرفة إلا من بصيص ضوء ( لالة تراثية )
ورثتها عن والدتي ( رحمها الله ) حتى تملكت من نفسي وأيقنت
أن كابوسا ثقيلا قد جثى على صدري وأطبق على أنفاسي ،
وتمتمت بكلمات مستعيذا بالله العزيز القدير من شر الشيطان
الرجيم من هول ما رأيت والتي جاءت انعكاسا لما خطر على
بالي من تساؤلات تأتت من خاطرة خبيثة كان قد ألقاها
الشيطان الرجيم في رأسي قبل أن أخلد إلى النوم ليلتها
متمثلة عن حالنا فيما لو تمكنت حكومتنا بطريقة ما من
العثور و السيطرة على منابع نعمة ( الهواء ) الذي نستنشقه
الآن دون قيود ولا برمجة ولا تقنين أو أزمات ، وأدركت
حينها حكمة البارئ عز وجل حين اقتضت مشيئته بجعل ( الهواء
) مشاعا مبذولا لطالبه ( ليل نهار ) فلم يمكن أحدا من
البشر من التحكم بمنابعه ، وتصورت حجم الكارثة و شكل
الفوضى التي ستضرب إطنابها في حياتنا وانعكاساتها من فساد
ذمة وخراب أنفس إن تم ذلك يوما ، وحمدت الله ( البارئ
الحكيم الخبير اللطيف ) طويلا حين شاء أن يستثني ( الهواء
) دون سائر نعمه وآلائه الأخرى [ كالكهرباء ( المبرمج )
والماء ( المقنن ) والنفط بمشتقاته ( الحاضر الغائب ) ]
ليكون بعيدا عن سطوة وسيطرة وتحكم إخواننا ( أبناء آدم ) .
و تراقص أمامي ( إبليس اللعين ) حين شطح بي الخيال متصورا
أحوالنا ومصائرنا فيما لو اقتضت مشيئة الرحمن الرحيم أن
يجعل للهواء منابع معلومة المكان فيتمكن ( بشرنا ) حين ذاك
من الاستحواذ على مفاتيحها في خضم هذه الفوضى من تخبط في
الأداء و فساد ذمة مقرونة بسوء إدارة للخدمات ، وكيف
سيتفنن المسؤولون ساعتها في خلق واستحداث ( أزمة ) للهواء
أسوة بما نعيشه من أزمات مزمنة ثلاثية الأبعاد ( الماء
والكهرباء والبنزين ) ليتمكنوا بعدها من وضع (برمجة )
لتقنين تزويد المواطنين بجرعات الهواء و ( التلذذ ) بإدارة
دفة الأزمة من خلف المكاتب الفارهة وما يتبعها من إطلاق
التصريحات الممتلئة بشتى الأعذار والتسويفات عن أسباب هذه
( الأزمة ) و تعليقها على شماعة جاهزة مركونة في زاوية
غرفة وزير ( الهواء والموارد السماوية ) تتلخص ب( انحسار
وضيق وجفاف ) في منابع و مصادر الهواء وطبقات الجو
الملامسة لوجه الأرض جراء ما تتعرض له من عمليات تخريب و
تدمير وقد يكون لثقب الأوزون ساعتها تأثيرا كبيرا بالأزمة
، وقد يتطور الأمر فيقال بأن نسبة كبيرة من ( نسيمات
الهواء ) التي تزود بها بغداد من محافظاتنا الأخرى قد حجبت
كليا أو جزئيا حسب سياسة المحافظات من أجل الحفاظ على
أرصدتها من ثرواتها المحلية تناغما وانسجاما لما تقدم عليه
الآن ( بعض ) محافظاتنا العزيزة التي تفيض حاجتها مما
لديها من الطاقة الكهربائية فلا تمنح لشقيقاتها اللائى
يتضورن جوعا للطاقة الكهربائية كمحافظة بغداد ( ست البلاد
و عاصمة الرشيد و درة الخلافة العباسية وقاعدة الفتح
العربي الإسلامي شرقا وغربا ) ما يفيض لديها. والخشية أن
تنتقل إلينا عبر الهواء المستورد ما يكمن فيه من أفكار
ومبادئ ك( الدكتاتورية والإرهاب وعدم الشفافية ) إذا ما
استفحل الأمر واشتدت الأزمة الهوائية وقررنا أن نستورد
عبوات ( هواء ) من دول الجوار الإقليمي ( العربي و
الإسلامي ) ، واقترح والحالة هذه أن يتم استيراد الهواء من
دول ( العالم الحر ) التي كانت سببا فيما نرفل فيه من عزة
ومنعة ورخاء واستقرار بعد أن دقت أبوابنا الديمقراطية
والشفافية و ( التكنوقراط ) .
ربنا … أننا لا نسألك رد القضاء … ولكننا
نسألك اللطف فيه ، فأن كانت مشيئتك يوما ما أن يكون للهواء
منابع ومصبات كما الأنهار وآبار النفط ، فأنني أبتهل إليك
متضرعا متوسلا لطفك بنا بأن تجعل مفاتيح هذه المنابع
والمصبات بيد ( ملائكة رحمتك ) المنزلين من السماء بهيئة
رجال على ألا يكونوا من ( التكنوقراط ) الذين ملأت
وزاراتنا بهم وتم انتقاؤهم وفق الديمقراطية التي تنص على
مبدأ المحاصصة الطائفية و العرقية …. اللهم آمين … اللهم
آمين .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. نشرت في جريدة الزمان العدد 2227 بتاريخ 1/10/2005
(*)
▲▲▲
|