فاجعة الجسر (*)
لا أعتقد أن ما قيل وكتب وما سيقال و يكتب
عن فاجعة ( المحرومين ) من ابناء العراق والتي حدثت على
صهوة جسر الأئمة سيفي حق الدماء الطاهرة التي سالت فروت
أرض الجسر واختلطت قطراتها بقطرات ماء نهر دجلة ، فالجراح
كبيرة والمصاب جلل . أطفال بعمر الورد لا يفقهون من الامر
شيئا ونساء جبلن على الطيبة والسماحة كانوا جميعا قد عقدوا
العزم وتأبطوا ما يطفئ ضمأ الطريق و يمموا وجوههم شطر مرقد
الامام موسى بن جعفر ( عليه السلام ) للدعاء بحضرته
والبكاء عند قبره في يوم استشهاده تخفيفا لما وقر في
قلوبهم اليائسة البائسة مما آلت اليه أوضاع العراق وأهله ،
فكانت دماؤهم قربانا للعراق وأهله . ولا أفشي سرا اذا ما
قلت بأنني وطيلة اليومين اللذين سبقا الحدث الجلل كنت
متوجسا خيفة من وقوع ( أمر ما ) قد يترتب عنه أحد أمرين
اثنين ( لأسباب لا تخفى على كل ذي عقل رشيد ) : أولهما
وقوع ( خطب ما ) قد يتسبب بكارثة بشرية اما نتيجة فعل غادر
وجبان يستهدف حياة هذه الجموع البريئة التي لا تعرف عن
السياسة شيئا أو نتيجة قضاء الله ومشيئته ( و لا راد
لقضائه سبحانه وتعالى ) ، وثانيهما أن يستغل الأمر برمته (
ان تحقق الاحتمال الأول نتيجة الفعل الغادر أو بوقوعه
بقضاء الله وقدره ) فيبدأ البعض بالتصيد بالمياه العكرة
التي ولدها الحدث مستغلة لحظة الحزن والالم وأجواء الفاجعة
فيحدث ما لا يحمد عقباه فتكون كالشرارة في مخزن قش كبير
بفعل وتدبير تلك القوى الخارجية والداخلية التي راهنت على
النعرة الطائفية طويلا من اجل تفتيت اللحمة العراقية ، غير
أن الله بمشيئته ولطفه قد أحبط ما كان يهيأ [ فأنا أريد
وأنت تريد والله يفعل ما يريد ] ، ولا اغالي اذا ما قلت (
رغم الخسارة الاليمة ) بأن دماء الشهداء الطاهرة الزكية
التي سالت على جسر الائمة من اجساد ( المحرومين ) من ابناء
العراق قد أماطت اللثام عن حقيقة متانة اللحمة العراقية
حين تجلت الروح العراقية الرائعة بدون الفئوية الضيقة
المنطوية على مكاسب ضيقة والتي روهن عليها طويلا ، وما
استشهاد ابن الاعظمية ( عثمان علي العبيدي ) غرقا بعد أن
أعياه التعب اثر انقاذه خمسة من أبناء ( حشود الزيارة )
ممن سقطوا في مياه دجلة نتيجة التدافع الا دليلا رائعا
صارخا على الوفاق الوطني العراقي ومؤشرا كبيرا ان الفئوية
والطائفية التي طبل لها طويلا سراب ماء يراه ( فقط ) من
يسير في صحراء الحقد متناسين حقيقة لحمة أبناء هذا الوطن
الكريم .
دروس وعبر قد مرت بنا نحن بأمس الحاجة لتدارسها بما يحفظ
للعراقي حياته وكرامته وأمنه واستقراره اتقاءا لما قد يجري
من كوارث قد تولد بظروف مشابهة لما جرى فتكون سببا لتكرار
صور المآسي والفواجع ومؤشرات للاستهتار بمقدرات انساننا
واجواء الخوف التي يعيشها وتاثير الاشاعة على معنوياته ،
فاذا كانت ( اشاعة ) قد انطلقت وسط الحشود عن وجود حزام
ناسف تزامن مع سماع اطلاقات رصاص أطلقت فوق رؤوس الزوار قد
أدت الى كارثة مروعة يندى لها جبين المسؤولين عن حماية
المواطن وحفظ أمنه بدءا من قمة هرم المسئولية نزولا
للقاعدة ، فلكم ان تتصوروا حجم الكارثة وهول المصيبة لو
تساقطت قذائف من ( ارهابيين ) و ( غيرهم ممن يتصيدون في
الاجواء المضببة والملبدة بالغيوم ) مباشرة على حشود
مسيرات ( مليونية ) تروم زيارة مراقد آل البيت الاطهار أو
مسيرة احتجاجية سلمية تحاول أيصال رسالة الى الحكومة
باحزابها وتكتلاتها السياسية عن أوضاعها المزرية وآمالها
وأحلامها التي ( تبخرت ) بفعل سخونة المشهد العراقي اليومي
؟. و ليس من المناسب أن تطغى الحسابات السياسية على حسابات
المنطق والانسانية فنشجع على اجراء مسيرات حاشدة في أجواء
غير آمنة أو مستقرة ودون اتخاذ الاحتياطات المناسبة
لحمايتها فيتساقط ابناؤنا مضرجين بدمائهم الزكية لتتعالى
الاصوات بعدها منددة مستنكرة فنكون موضع تهمة وحساب ولوم
كما قال الامام علي بن ابي طالب ( كرم الله وجهه ) : [ من
وضع نفسه مواضع التهمة فلا يلومن من أساء به الظن ].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الزمان العدد 2207 بتاريخ 7/9/2005
.
(*)
▲▲▲
|