قد
بُصـَََّرتم
إن أبصرتم
(*)
لم يكن وزير الدفاع الصهيوني الأسبق ( موشي
ديان ) قد جانب الصواب أو ابتعد عن الحقيقة حين قال يوما :
- [ إن العرب لا يقرءون ، وإذا قرءوا لا يفهمون ، وإذا
فهموا فهم لا يتعظون ولا يفعلون ] ، وعلينا أن نتحلى
بالجرأة والشفافية فنقر بأن الموما إليه قد أصاب كبد
الحقيقة في قولته هذه والى حد بعيد ولعلها كانت زلة لسان
لعدو ناصب أمتنا العربية العداء ردحا من الزمن حين كان
وزير حرب ما يسمى بدولة ( إسرائيل ) إبان نكسة حزيران 1967
غير أننا لم نقف عندها بمحمل الجد لتغيير واقعنا هذا بل
أخذتنا العزة بالإثم آنذاك ( وهذه إحدى ما ابتلينا بها من
خصال ) ، فمجرد إجابته بهذه الصراحة والوضوح رغم خطورة ما
أقدم عليه ( ديان ) حين نبهنا ( هزوا واستخفافا بنا أو
سهوا منه ) بما ابتلينا به من مرحلة اللاوعي والغيبوبة
السياسية ، فانه كان دليلا دامغا على سعة إدراكه وثقته من
أننا أمة ذات ( فصاحة لسان و بلاغة أقوال وأشعار و خطب
رنانة ليس إلا ) ، وان دل هذا على شيء فإنما يدل على أننا
لا نعير لتجاربنا بالا ولا لخطوبنا و مآسينا وزنا ، وهي
حقيقة مأساوية نعيشها حتى يومنا هذا تشير إلى أننا أمام
إحدى حالتين ( أو كلتيهما ) : فإما أننا أمة تقرأ فلا تعي
ما تقرأ ، أو أننا أمة تتلقى ( الفعل ) ولا تعرف ( رد
الفعل ) الذي يساوي جنس ( الفعل ) مقدارا ويعاكسه اتجاها
رغم دراستنا لقوانين ( نيوتن ) الفيزياوية . لقد قيل
الكثير عن قلة وعينا السياسي نحن ( العرب ) عموما ووصفنا
بسوء تدبيرنا لأمورنا وعدم اتعاظنا من عاديات الزمان رغم
حضارتنا وأرثنا الثقافي العريق وما تختزنه ذاكرتنا لأحداث
أليمة كانت قد أصابتنا فكانت سببا في إعاقة تقدمنا والتي
قد يكون ( موشي ديان ) قد اطلع على تجاربنا وردود أفعالنا
حيال ما جرى وتخبطنا في تجارب لاحقة ليخرج علينا بكل ثقة و
خيلاء فيقول ما يقول ، فها هي تجربتنا المريرة إبان الثورة
العربية الكبرى بقيادة ( الشريف حسين ) خير شاهد على سوء
التخطيط والتخبط السياسي ، حين وضع قادة العرب ورجال
السياسة منهم كل بيضهم في سلة واحدة فلم يتقنوا أحابيل
السياسة ولم يحسنوا مناوراتها فتحالفوا آنذاك واتفقوا مع
بريطانيا على قيامهم بإعلان الثورة والتمرد على الدولة
العثمانية مقابل ( وعد ) منحتهم إياه بريطانيا بإعطاء
العرب استقلالهم مع وعد على أن يتوج ( الشريف حسين ) ملكا
على بلاد العرب ، فيما كان يجري أعداد طبخة في الكواليس
بين الحكومتين البريطانية والفرنسية لتقاسم أراضى الدولة
العثمانية وفق محاصصة متفق عليها ضاربة بوعودها وعهودها
عرض الحائط فكان أن أحتلت أرض العرب وقسمت أوصالها إلى دول
هزيلة مجزأة بحدود رسمت من قبلهما ما زلنا محتفظين
بخرائطها المعرضة للتغيير والتقسيم في أي لحظة وحين .
فليس من العيب أن نعترف بأن أجدادنا قد أخطأوا و مارسوا
لعبة سياسية كانت أكبر من حجمهم فورثنا منهم فرقتنا
وهزيمتنا و تشرذمنا بعد أن كانت أمتنا واحدة طيلة قرون ،
وأن ما كانوا يسعون إليه في حقيقة الأمر لم يكن إلا (كرسيا
) يتربعون عليه و ( إمارة ولو على حجارة ) يمارسون فيها
ولعهم وشغفهم بالحكم ويحاطون بحاشية متملقة منافقة تركض في
ركابهم وتلبي احتياجاتهم وتأكل من فتات موائدهم ، ولكن
العيب والخطيئة أن نرتكب الخطايا بحق أنفسنا وبحق أبنائنا
فنصر على أخطائنا ونلتمس لها أعذارا ، أن نعيد كتابة
تاريخنا ونرسم مستقبلنا و نترسم خطى من سبقنا رغم أن ذاكرة
تاريخنا حبلى بالنكبات والشواهد المأساوية و ( قناني
الزجاج ) والتي غالبا ما حشرنا داخلها في غفلة من زمن
فنبذل الجهد الجهيد و الدماء انهارا على مذبح الاستقلال
والحرية لنعود من جديد إلى ما كنا عليه ( محلك سر ) .
قال الإمام علي بن أبي طالب ( كرم الله
وجهه ) : [ قد بصرتم إن أبصرتم ، وقد هديتم إن اهتديتم ،
وأسمعتم إن استمعتم ٍ] .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
نشرت
في جريدة الزمان
بالعدد 2202 بتاريخ 31/8/2005
(*)
▲▲▲
|