السمسم و النمنم
(*)
قيل بالأمثال (( لا تقل سمسما قبل أن تلهم
)) ، ويقصد به ألا تتعجل بإطلاق حكمك على ما يدخل في فيك
على اعتقاد منك أنه ( سمسم ) فإذا بك تفاجأ بأن ما دخل في
جوفك والتصق بجدار بلعومك لم يكن إلا ( نمنما ) والذي كان
فيما مضى ينفع صغارنا في لعبة ( طم خريزة ) ، وينطبق هذا
المثل على كثير مما حولنا ، فلا نستطيع مثلا أن نعرف
مصداقية أقوال ( زيد ) أو أكذوبة طروحات ( عمرو ) ما لم
نطابق بين أقوال الأول وطروحات الثاني من جانب ، وبين
أدائهما وما ترتب عن ذلك من نتائج من جانب آخر لنتمكن من
تحديد أيهما كان صادقا شفافا ( قولا وفعلا ) ، وكذا الحال
عند تقييمنا لمشروع ما ووصفه بالناجح أو الفاشل إن لم
نتلمس تأثير نتائجه ( سلبا أو إيجابا ) على واقعنا والذي
يأتي اعتمادا على ( دقة ) تخطيط المشروع و ( مصداقية )
أداء كادره و (كفاءة ) تنفيذهم ، ولقد تردد ذكر هذه
المصطلحات طويلا عند الحديث عن مشاريع و برامج اعمار عراق
ما بعد ( التحرير ) والتي توصف دائما بأنها ما جاءت إلا
للقضاء على مخلفات العهود السابقة و ما رافقها من سلبيات
لغرض اعادة تنظيم حياتنا لتحاكي المعطيات الحضارية العصرية
لأرقى شعوب الأرض ولتنعكس نتائجها بالتالي على واقعنا (
خدمة وترفيها وحياة كريمة آمنة ) ، إلا انه وللأسف الشديد
ليس بوسعنا الآن أن نقول أن ما ابتلعناه كان ( سمسما ) رغم
مرور سنتين أو أكثر على مقايضة ( السمسم ) بالعملة الصعبة
التي جاءت من بيع نفوطنا و ذلك لعدم وضوح الصورة واضطرابها
من جانب ، وخوفا من أن يظهر فيما بعد أن ما ابتلعناه لم
يكن إلا ( نمنما ) من جانب آخر . إلا أننا على يقين مؤكد
من أن ( سمسم ) وزارة الكهرباء الذي ابتلعناه لم يكن كما
بشرنا به و دليلنا في ذلك الشماعة التي اعتادت أن تلقي
الوزارة عليها اخفاقاتها المتكررة والمجة لتفاجئنا الآن
بطرح شعار ( خليها تكفينا ) ليستشف من شعارها هذا اتهام
مبطن للمواطن بالتبذير وسوء الاستخدام في حين أن فترة ما
يصل إلى المواطن من الكهرباء لا يتجاوز الساعتين أو الثلاث
يوميا وبشكل متقطع و بما لا يكفي لتبريد عبوة ماء لإطفاء
ضمأ هذا الصيف ( الجمري ) . والحديث عن مسلسل معاناة
المواطن ذو شجون ، فشبكات الهواتف النقالة التي أدخـلتنا (
فجأة وبدون سابق إنذار ) في ثورة الاتصالات والتي توقعنا
أن يكون دخولها فتحا مبينا ، لنفاجأ أن شبكات الهواتف
النقالة كان قد تم التخطيط لها لتصب ( وفق تصور مسبق ) في
مخطط تقسيم محافظات العراق إلى أقاليم ثلاث ضمن المفهوم
الفدرالي المزمع تنفيذه والذي لم يأت اعتباطا ولم يكن محض
مصادفة ، فمخطط تقسيم العراق إلى أقاليم كان قد وضع قبل
سنوات طويلة وبأيد غير عراقية سبقت سقوط النظام السابق
بغية تفتيت لحمة مجتمعنا والقضاء على أواصره . أن ما يميز
عمل شبكات الهواتف النقالة العاملة في العراق انسجامها
التام مع ( النوعية الخاصة ) للفدرالية المزمع تأسيسها
وتطبيقها في قطرنا والتي تؤكد مؤشراتها الأولية أنها ذات
توجهات و نزعات قد تتطور مستقبلا لتكـون ( غير اتحادية )
لما ورد على السنة الداعين إليها من حق تقرير المصير وحق
الأقاليم والمحافظات بثرواتها والتصرف بها بعيدا عن مفهوم
المصلحة الوطنية العليا ، و لا أغالي إذا ما قلت من أن
أداء شبكات هواتفنا النقالة جاء انعكاسا طبيعيا و استباقا
للحدث و إيذانا بهذا الخطب الجلل ، فمن لديه هاتف نقال
يعمل بنظام شبكة ( عراقنا ) على سبيل المثال يصعب عليه (
وقد يستحيل الأمر في أغلب الأحيان ) أن يؤمن اتصالا بهاتف
نقال يعمل بنظام شبكة ( أثير ) أو ( آسياسيل ) والعكس صحيح
، هذا من جانب ، ومن جانب آخر نرى أن شبكات الهواتف
النقالة قد تقاسمت النفوذ فيما بينها وفق مبدأ المحاصصة
وبشكل اقرب إلى تكريس تقسيم كل محافظات العراق إلى أقاليم
ثلاث ضمن مفهوم الفدرالية ، وقد يتطور الأمر وفق هذا
الواقع المستند على عدم التنسيق بين شبكات هواتفنا النقالة
( الفدرالية ) أن يصبح لزاما على من يمتلك هاتفا نقالا
يعمل وفق شبكة ( عراقنا ) أن يشتري له هاتفا نقالا ثانيا
يعمل وفق شبكة ( أثير ) أن كانت زوجته قد جهزت من قبل
دائرتها بهاتف نقال يعمل وفق هذه الشبكة ليخبرها باحتمال
تأخره لساعتين أو ثلاثة لزحام مروري قد فاجأه ، ولن يقف
الأمر عند هذا الحد ، فقد يصبح لزاما عليه شراء هاتف نقال
ثالث يعمل وفق شبكة ( آسياسيل ) إن كانت لديه زوجة ثانية
تقطن في المحافظات الشمالية ( دون علم زوجته الأولى طبعا )
، ولكم أن تتصوروا منظر صاحبنا ( البخيت ) هذا وقد استقرت
هواتفه النقالة ( الفدرالية غير الاتحادية ) في محافظها
الجلدية لتحتضن خصره من ثلاث جوانب ، وكيف سيكون موقف (
صاحبنا ) هذا وما ردة فعله أن أهتز خصره أمام الناس فجأة
جراء اشتغال هواتفه الثلاث في آن واحد ؟؟.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)
نشرت في جريدة الزمان – العدد 2198 بتاريخ 27/8/2005
▲▲▲
|