|
أبناء آدم
(*)
الذي أعلمه جيدا أن الله سبحانه وتعالى خلق
(آدم) عليه السلام أولا ثم تعاقب البشر من بعده . و ل( ابن
آدم ) في ما وراء البحار حقوق تقرها الدساتير التي وضعت
لتنظيم حياته فثبت فيها حق محاسبته لمن ارتضاه مسئولا عن
شؤون حياته إن تناسى الأخير ( ضميره الآدمي ) ونكل بالعهود
التي قطعها على نفسه بتأمين حياة كريمة له ، كما وأن عليه
واجبات تجاه وطنه وأخوته من ( أبناء آدم ) الذين يشاركونه
المواطنة يحترمها و لا يتجاوزها وإلا وقع تحت وخز الضمير
الآدمي ( أولا ) وطائلة القانون ( ثانيا ) ، ولهذا فأن (
ابن آدم ) هناك يبنى ويؤسس ويحافظ على استقلال وطنه وفق
احترامه لهاتين المفردتين ( الحقوق والواجبات ) ، ولهذا
كانت كرامة ( ابن آدم ) هناك محفوظة مصانة لأنها جزء لا
يتجزأ من كرامة الوطن وهذا ما تتميز به الدول المتقدمة
وتسبقنا أشواطا شاسعة في هذا المجال ، بل نكاد نفتقر إليها
في معظم الأحيان . وأتساءل عن المعيارية التي يتم بموجبها
قياس كرامة ( ابن آدم الغربي ) في موطنه وهل هي نفس
المعيارية التي تقاس بها كرامة ( ابن آدم العربي ) في وطنه
عموما و( العراقي ) خصوصا أم أن هناك اختلافا يتأتى من
اختلاف لون البشرة أو العينين أم من رضوخنا واستسلامنا
للأمر الواقع المتأتي عن عدم استقرار أوضاعنا السياسية إلى
أجل غير مسمى ، جملة تساؤلات راودتني وأنا أقرأ في جريدة
الزمان ونقلا عن وكالة أسوشيتدبرس خبرا عن جندي أمريكي في
العراق شهد ولادة طفلته في فرجينيا عبر الإنترنت حينما
طلبت زوجة الرقيب ( هامريك ) من إدارة المستشفى بولاية
فرجينيا الأمريكية ( التفكير بطريقة ما ) لمساعدتها وزوجها
بأن يكونا معا لحظة المخاض ( ناس بطرانه بمفهومنا أليس
كذلك ؟ ) ، فتم الأمر وسخرت جميع الأجهزة المطلوبة لتأمين
ذلك من دون تكبيد الزوجين أية مصاريف وتحقق للزوج المتواجد
في العراق مشاطرة زوجته آلام الوضع ومشاركا إياها فرحة
مقدم الطفلة الجديدة لحظة بلحظة . لقد تأرجحت مشاعري
ساعتها بين السعادة والفرح و بين الغمة والكآبة والإحباط
في آن واحد ، فمشاعري بالفرح تأتت لاحترام حقوق المواطنة
من خلال تحقيق أمنية الزوجة من قبل حكومتها ، ومشاعر الغمة
والإحباط والكآبة فكان سببها المشهد المأساوي الذي نعيشه
طيلة عقود منصرمة وما زلنا نرفل به هذه الأيام رغم الوعود
التي أعلن عنها لرفع الحيف والظلم ؟؟ . وأتساءل بدوري هل
كانت الحكومة الأمريكية مجبرة على تحقيق أمنية الزوجة
الحامل أم كان بإمكانها إعطاءها ( الأذن الطرشه ) أو
الخروج بأعذار شتى ( ونحن أسياد الشماعات و التحجج و
اختلاق الأعذار ) كأن يفتوا مثلا بعدم وجود تغطية في شبكة
خطوط أقمارهم الصناعية ، أو أن المحطة التي تزود خطوط
الإنترنت بالطاقة الكهربائية قد توقفت نتيجة نفاد الوقود
أو أن ( جرذا كبيرا جائعا ) قد التهم ( قابلات نقل الطاقة
) ، فيتم حينذاك الاكتفاء بقيام الزوج الكريم بإرسال رسالة
(
SMS
) إلى هاتف نقال زوجته أو إلى إحدى المحطات الفضائية
الأمريكية يهنئها بالمولود الجديد فيأخذ ( أرنبا هزيلا )
بعد أن عرض عليه ( الغزال ) ، إلا أن أمنية المواطنة
الحامل عزيزة وغالية على قلب الحكومة الأمريكية التي تؤمن
تماما أن سبب وجودها في السلطة هو لتأمين وسائل الترفيه
لمواطنيها وأنهم وما يملكون من تقنيات متقدمة قد استحدثت
لخدمة مواطنيهم . في الوقت الذي يتلاعب التخبط وعدم
التنسيق والاهتمام والجدية والتخطيط السليم والأهواء
الشخصية بمصائرنا ومنذ أكثر من ثلاثة عشر عاما حرمنا
خلالها من خدمات تعد بالإنسانية كالكهرباء والماء
والمشتقات النفطية ومفردات البطاقة التموينية ( التي هي
قوت لا يموت ) وما زالت أوضاعنا تتعقد وتزداد سوءا رغم
سقوط النظام السابق ورفع الحصار واستمرار تدفق تصدير النفط
، كما وتعصف الظروف الأمنية السيئة و الأوضاع السياسية غير
المستقرة في المشهد العراقي ، لتتكرر قصة المواطن كل يوم
فما أن يفتح عينيه بعد ليلة قاسية قضاها بمسلسل برمجة
الكهرباء محاطا بأجواء الظلام الدامس إلا من بصيص ضياء
خافت من (لالة ) والغرق بالعرق جراء درجات حرارة الغرف
التي لا تتمكن منها ( المهافيف ) حتى يشد الرحال لجولة
مكررة من المعاناة اليومية لتبدأ بالركض بحثا عن قنينة غاز
أو الهرولة خلف عربة النفط لملئ ( تنكة ) بما يؤمن استمرار
توهج اللالة وتبسمها لتؤنس وحشة الليل البهيم ، مرورا
بالانتظام في طابور يلتف حول أزقة ولمسافة كيلومترات
لتجهيز سيارته بالبنزين وفق النظام العالمي الثلاثي
الأبعاد ( الفردي و الزوجي والمختلط ) المطور عن النظام
السابق ، وقد تطول فترة التجهيز لساعات فيضطر إلى تأمين
نفسه بوجبة فطور أو غداء أو عشاء ( حسب فترة زيارته
الميمونة لمحطة الوقود صباحا كانت أم قبل الغداء أم قبل
العشاء ) مع عبوة ماء وجريدة لقتل الوقت ( المهدور سلفا )
، أما إذا اضطر للبحث عن وظيفة في دوائر الدولة فأن تلك
رحلة عقيمة مرتبطة بحل لغز الألغاز المتمثل بالفلسفة التي
تبحث ما خلق أولا ( البيضة أم الدجاجة ) والتي ستبقى طلسما
إلى حين قيام الساعة لنعرف الجواب حينذاك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
نشرت في جريدة الزمان العدد 2193 بتاريخ
21/8/2005
(*)
▲▲▲
|