( حرامي ) أيام زمان (*)
غالبا ما كان يحدثنا أهلنا عما عاصروه من أخلاقيات مجتمعنا
من ( الغيرة ) و ( النخوة ) إبان الحكم الملكي ومثيلاتها
من صفات ( الفروسية ) المتوطنة في نفوس أبناء العراق والتي
هي ترسبات لثقافة أصيلة وتراث عربي و إسلامي أختزنه
الأجداد وتناقله الأبناء عن آبائهم جيلا بعد جيل وتفاخر به
وتنافس على إظهاره وترجمته إلى أرض الواقع قولا و فعلا ،
ولم تقتصر هذه الفروسية الأخلاقية المتمثلة بالغيرة
والنخوة والشهامة والمروءة على منطقة محددة من أرض العراق
كما ولم تلتصق هذه الخصال الطيبة بعشيرة عراقية دون غيرها
، فلقد شملت طول البلاد وعرضها وبكامل فسيفساء العراق (
العرقي والديني والطائفي ) ، ولا تستغرب أخي القارئ العزيز
ولا تحسبني مغاليا إذا ما قلت بأن ( حرامي أيام زمان ) كان
يفتخر بهذه الخصال أيضا ويتصف بها على الرغم من لصوصيته
والتي كانت لا تحدث لولا ضيق ذات اليد لسد رمق أولاده ،
لذا فهو لم يمتهن هذه الحرفة ولم يلجأ إليها إلا اضطرارا
في حين أنه لم يتجرد عن أخلاق المجتمع السائدة آنذاك و
التي جاء ذكرها في صدر حديثنا ، ولهذا السبب لم تتصف تلك
الحقب من تاريخنا بالجرائم المنظمة المتمثلة بأعمال القتل
والاختطاف وترويع للأبرياء وهتك للأعراض وسفك للدماء وهدم
ونهب للمال العام وتفشي الرشوة علنا فلقد كانت هذه جميعا
من المحرمات ، وكان من العار التجاوز عليها أو التقرب منها
. ومن القصص الطريفة والعجيبة والتي تناقلتها الألسن أيام
ذاك وأعتز بها شخصيا وأعيد سردها دائما على مسامع أفراد
عائلتي - وخاصة أثناء فترة الحواسم و ما تلاها من ظهور
فلسفة تسويغ السرقة والاختطاف و نهب المال العام - قصة
واقعية جرت أحداثها منتصف القرن الماضي لبيت متواضع يقطن
فيه زوجان وطفل رضيع ، وكان الزوج يبيت ليلة في داره ويبيت
أخرى خارجه لارتباطه بحراسة دائرة حكومية ، وقبل ساعة من
فجر إحدى الليالي استيقظت الزوجة على صريخ رضيعها لتجد لصا
تجاوز الأربعين من عمره وقد لف بعض حاجيات دارها بقطعة
قماش وقد اختبأ مرتعبا فزعا عند سماعه صراخ الطفل متحينا
الفرصة للهرب بغنيمته ( إبريق من النحاس وملابس عتيقة
وجفجير صدئ لتقليب الأرز ) والتي لا تساوي قيمتها آنذاك
غير دراهم معدودات ، وقلبت الزوجة الأمر في ذهنها للحيظات
وأسعفتها حيلتها ودهاؤها ( الفطري ) بأن تحرك نوازع الغيرة
والشهامة ( الرائجة آنذاك ) لدى اللص فانسابت عبر لسانها
وبصوت هادئ هذه الكلمات باللهجة العامية : [ لا تبك يا بني
فهــذا (( خـالـك )) قد وصل الآن ولابد انه جائع وتعب ،
اهدأ كي أعد له طعام الفطور ] ، وتخبرنا القصة بأن اللص
حالما سمع هذه الكلمات حتى خرج من مخبئه خجلا مطأطئ الرأس
يقدم خطوة ويؤخر أخرى ، فلقد هزت تلك الكلمات البسيطة التي
تفوهت بها المرأة ( غيرته ونخوته ) ، ووضع ( البقجة ) التي
كان يحملها أمام المرأة طالبا أليها أن تهدئ من روعها وألا
تخشى شيئا وأقسم أمامها يمينا مغلظا بأنه لم يقدم على
فعلته هذه إلا لإطعام أطفاله ، معتذرا منها مخبرا إياها
بأنه من هذه الساعة ( أخ ) لها ، ولم تدعه المرأة يغادر
بيتها حتى يشرب الشاي ويتناول شيئا من طـعام و أعــطته (
البقجة ) هدية لأولاده . تلك كانت واقعة حدثت منتصف القرن
الماضي وتناقلتها ألسن كثيرة كنت قد سمعتها وأنا طفل صغير
ذكرتها الآن استنهاضا لغيرة ونخوة ( بعض ) ممن اهتزت لديه
خصال الفروسية من غيرة و نخوة و إباء و شهامة و إنعاشا
لذاكرة من كاد أن ينسى في خضم هذه الفوضى العارمة أن بذرة
الطيب مدفونة في قرارة نفس كل عراقي رغم ما جرى ويجري على
ساحتنا العراقية من مآس ونكبات تفاقمت صورها بشكل مريع
بأعمال النهب والسلب المنظم والتي تفجرت أحداثها إبان سقوط
النظام السابق حين كانت الطائرات قد أنهت عملياتها وبدأت
الدبابات العسكرية الأميركية تسير الهوينى وتتبختر في
مشيتها في شوارعنا مستعرضة قوتها و جبروتها ، فإذا
بالرعاع يطلون برؤوسهم من جحورهم ، أولئك الذين وصفهم
الأمام علي ( كرم الله وجهه ) حين قال : [ لا مرحبا بوجوه
لا ترى إلا عند كل سوأة ] ، وجوه كالحة صفراء ترى الشر
يتطاير من حدقات عيونها وقد كشروا عن أنيابهم ، انتشروا
كما النار في الهشيم ، عاثوا في الأرض مفسدين ، شنوا
الهجوم على بنايات ومصارف حكومية ( زرافات ووحدانا )
فنهبوا ما بها و استولوا على ما في خزائن المصارف من عملة
عراقية وأجنبية ، قلعوا الأبواب والشبابيك وأحرقوا وكسروا
ما لم يستطيعوا حمله ونقله ، وتقاتلوا فيما بينهم
للاستحواذ على نصيب شركائهم ، حينذاك أعلن عن ولادة مفهوم
( الحواسم ) فكان فتحا جديدا في عالم النهب والسلب للمال
العام ، وانتفض أصلاء شعبنا مستنكرين متصدين لسلوكيات رعاع
القوم منافحين عما تبقى من مال عام ، وتفيهق ( الحواسميون
) برد قبيح بأن ( هذه حصتنا من ثروة النفط التي حرمنا منها
طويلا ) فكان عذرا قبيحا لذنب لا يغتفر ، فهل انتهت مرحلة
( الحواسم ) ليليها مسلسل تدميري مستمر بممارسات مقيتة
وبمسميات جديدة تستهدف تفتيت العراق و نهب خيراته وطمس
حضارته وتاريخه ؟؟؟ ، أملنا كبير بقدرة الله العزيز الكريم
أن يحفظ هذا الوطن الجريح وأن يحميه من ( بعض ) ذوي النفوس
المقيتة والتي لا هم لها ألا النهب والتدمير والتفتيت
والسلب في المال العام ، و أن يفتح لنا جميعا بصائرنا
ويهدينا سواء السبيل فنعرف أن الصبر على محارم الله أيسر
من الصبر على عذابه تعالى وأنها سحابة صيف لا مطر فيها ولا
ينبت منها زرع ، قال تعالى في محكم آياته : (( فأما الزبد
فيذهب جفاءا وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض )) صدق
الله العظيم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. نشرت في جريدة الزمان بالعدد 2166 بتاريخ 20/
7 / 2005 (*)
▲▲▲
|