|
وسيبقى العراق عصيا (*)
انتشرت هذه الأيام دعوات من هنا وهناك تطالب بإقامة وحدات
فدرالية كان آخرها الدعوة التي أعلنها ( بعض ) أبناء
الجنوب لإقامة إقليم يضم محافظات البصرة والعمارة
والناصرية ولأسباب ترددت على ألسنة أصحابها كحالة التهميش
التي عانت منها محافظاتهم و المركزية المفرطة التي أدت إلى
شعورهم بمظلومية تاريخية . وبدورنا نطرح جملة تساؤلات عن
دواعي بروز هذه الدعوات وفي هذه الفترة العصيبة والمعقدة
من تاريخ العراق حيث العزف تارة على نغمة الفدرالية (
الطائفية ) وتارة أخرى عزف نغمة الفدرالية ( العرقية ) ولا
ندري ما تخبؤه لنا الأيام فقد تستحدث ( والله اعلم )
فدراليات ( عشائرية ) بعدد عشائر العراق أو فدراليات تحت
مسميات جديدة تأتي انعكاسا لطموحات عدد من الرجال ذوي
أهداف شخصية لا تصب في مصلحة الوطن الجريح ، هذا من جانب ،
ومن جانب آخر ولعلي أكون مشاكسا بعض الشيء فأقول ( وبصراحة
تامة وبدون زعل أو تكدير خواطر ) كم من القراء الكرام على
دراية بمفهوم الفدرالية وإحاطة بأنواعها ومميزات كل نوع
منها ؟، وهل أن العراقي ( غير السياسي ) مؤهل في الوقت
الراهن بالذات لاختيار نوع الفدرالية التي تتناسب وطموحه
إذا ما جرى الاستفتاء الشعبي ضمن الظروف الحالية من تعتيم
شبه كامل عن مفهوم الفدرالية وأنواعها وما علاقة الحكومة
المركزية بحكومات الولايات والأقاليم وكيفية تقسيم قوة
البلاد ومواردها بينهما وكيفية تنظيم هذه العلاقة في الوقت
الذي لا يفقه شيئا عن الفدرالية إلا ما يتردد من أنها
جغرافية أو إدارية أو عرقية وقد تكون أحيانا ( طائفية )
؟؟.
أن اختيار نوع نظام حكم منشود في العراق هو
من حق الشعب العراقي ( حصرا وتحديدا ) على أن يتم هذا
الاختيار في أجواء صحية شفافة غير قسرية بعيدا عن تكرار
فرض سياسة الأمر الواقع لأنظمة لا يفقه عنها المواطن
العراقي البسيط شيئا وغير مدرك لأبعادها ومميزاتها ، و
بعيدا عن الاملاءات والقرارات التي جاءت ضمن ظروف ( غير
طبيعية ) وتحت مناخ سياسي معقد فرضته أجواء تلك الظروف
التي أعقبت سقوط النظام السابق والتي قد تكون مستقبلا محطة
جديدة للتأزم السياسي تكون من نتائجها تكرار حدوث مآس
مازلنا حتى يومنا هذا نعاني من أوجاعها وآلامها في الوقت
الذي لا ندري أن كنا سنبقى دولة موحدة أم سيتم تجزئتنا وفق
أهداف طائفية وعرقية . أن الكثير من أبناء شعبنا يخشون من
أن يكون النظام الفدرالي المزمع تطبيقه في العراق مدخلا
لتقسيم البلاد ( وفق حسابات عرقية أو طائفية أو بكليهما
معا ) إلى دويلات ضعيفة سرعان ما تتناحر فيما بينها
مستقبلا ، في الوقت الذي عرف عن العراق منذ القدم أنه
مجتمع فسيفسائي تعايش سكانه وتبادل المحبة وتصاهرت عائلاته
وتناسبت طيلة مئات السنين ، فكم من عربي ذي خؤولة كردية أو
تركمانية ، وكم من كردي أو تركماني ذي خؤولة عربية ، وكم
من عشيرة عربية مسلمة استوطنت بعض أفخاذها شمال ووسط وجنوب
العراق فتلونت هذه الأفخاذ والبطون بأطياف مذاهب الإسلام
الحنيف .
أن مبعث الخوف الذي يردده ( بعض ) من
أخوتنا في الجنوب مما جرى في العقود المنصرمة من إهمال
متعمد وحيف أصاب سكانا من الشمال أو الجنوب فأقول بأننا
مقبلون على عهد من الديمقراطية وكتابة الدستور الدائم ،
فأن حسنت النيات والتزمنا بروح المواطنة فان هذا الخــوف
سيزول بضمان حسن كتابة فقرات الدستور لما ستتضمنه بنوده
وفقراته من إقرار بحقوق جميع الأديان والأعراق والطوائف (
أولا ) و ( ثانيا ) من خلال تطبيق نظام إداري ( لا مركزي )
يتم خلاله منح جميع المحافظات العراقية حرية أكبر في إدارة
شؤون مواطنيها عن طريق قوانين مجالس المحافظات التي ترتبط
جميعها بالحكومة المركزية الموحدة والتي تكون بغداد
عاصمتها المركزية ، هذا في الوقت الذي ستقوم الجمعية
الوطنية العراقية والتي سيتم انتخاب أعضائها من بين أبناء
المحافظات المخلصين و الأكفاء بشكل مباشر وشفاف بمراقبة
أداء الحكومة وتقييم و ( تقويم ) أنشطتها وبرامجها وبذلك
سنكون مطمئنين على مستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة وفي
ذلك أيضا ضمان لوحدة الأراضي العراقية التي ظلت ومازالت
وستبقى ( بأذن الله تعالى ) عصية أمام حسادها والحاقدين
عليها .
أن ما يلفت الأنظار إلى المشهد العراقي
ويؤسف له أن العراقيين غير السياسيين ( وما يمثلونه من
أغلبية صامتة ) غير ملمين تماما بما يطرح من دعوات حول
الفدرالية وخياراتها في الوقت الذي لا تفصلنا إلا فترة
وجيزة عن موعد إجراء الاستفتاء الشعبي لتحديد مصيرنا
ومستقبل أجيال العراق من بعدنا ، هذا من جانب ، ومن جانب
آخر فأن السياسيين العراقيين أنفسهم ( لم يتفقوا بعد ) على
معنى محدد للفدرالية المنوي تطبيقها في العراق ، ومن هذا
المنطلق فأنني أرى أهمية تنظيم حملة واسعة ومكثفة تغطي
العراق كله تساهم فيها كافة الوزارات والمؤسسات ووسائل
الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية لتسليط الأضواء حول
أنظمة الحكم في العالم ومنها الفدرالية وأنواعها ومحاسنها
ومساوئها ليكون شعبـنا ( متبصرا ) ( مدركا ) (عالما ) بما
هو مقدم عليه وقبل الدخول إلى قاعات الاستفتاء الشعبي
ليكون خياره ( أولا ) قبول الفدرالية أو رفضها ، و ( ثانيا
) تحديد نوع الفدرالية إذا كان قرار الشعب قبول الفدرالية
نظاما للحكم وفي هذا نترسم بحكمة للإمام علي بن أبي طالب (
كرم الله وجهه ) حين قال :- [ من حاسب نفسه ربح ، ومن غفل
عنها خسر ، ومن خاف أمن ، ومن اعتبر أبصر ، ومن أبصر فهم ،
ومن فهم علم ].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
نشرت
في جريدة الزمان
بالعدد 2162 بتاريخ 16/7/2005
(*)
▲▲▲
|