لكل جواد كبوة
(*)
الشعوب العظيمة و الحية تصنع تاريخها
بيديها ، فهي لا تستكين للمآسي والجراحات والنكبات ، ولا
تقعد على ( تلة ) خرابها مؤمنة بالقدر الذي أصابها مقتلا ،
نادبة حظها العاثر ، لاعنة الزمن الذي أوصلها إلى ما هي
عليه الآن ، والشواهد التاريخية حبلى بتجارب شعوب كبت ونال
ما نالها من مآس فتنادى أفرادها ورتبوا صفوفهم وتقاسموا
المهمات وشمروا عن سواعدهم وارتفع البناء بمختلف أصعدته
على حد سواء ( الاقتصادية والفكرية والاجتماعية ) فدبت
الحياة في أوصالها بعد أن كادت تلفظ أنفاسها و تصبح أثرا
بعد عين ، ولعل خير مثال لشعب ارتقى صهوة المجد من بعد
دمار هو شعب اليابان ، ويكمن سر نجاح هذا الشعب وسرعة
ارتقائه من بعد النكوص في عدة عوامل لعل أهمها ( أولا )
احترامه للزمن ويقينه من أنه سلاح ذو حدين (( حد فيه أسباب
انبعاث النهضة والحياة يتميز باحترام ساعات الزمن
واستثمارها في التخطيط والتنفيذ والبناء والاعمار يوصل إلى
المجد والفخار ، و حد فيه أسباب التخلف والانحطاط يختبئ
تحت نصله قتل ساعاته في تناحر وسعي إلى مآثر شخصية يودي
إلى العار والشنار وارتباك في الأمور والأحوال )) ، و (
ثانيا ) تعميق روح المواطنة للفرد الياباني والتصاقه بوطنه
مما دفعه للعمل وفق روح المنافسة في تقديم أقصى طاقته دون
أن يعير اهتمامه الوصول لمنصب حكومي أو للسعي وراء مغريات
ومكاسب آنية ، و ( ثالثا ) استلهام الحضارة اليابانية
القديمة واستخلاص جوانبها المشرقة مما انعكس إيجابا على
وحدة وتماسك الشعب في تنفيذ حملات الاعمار غير آبهين
بالصعاب مدركين تماما بأن السماء خلقت لتنزل مطرا ولم تخلق
كي تمطر رجالا يبنوا ويعمروا ما تهدم عوضا عنهم ، وبهذا
حقق اليابانيون جانبين في آن واحد حين تفوقوا على أنفسهم
( من جانب ) فقلبوا مأساتهم إلى ما يشبه المعجزة ، و ( من
جانب آخر ) رد الصاع صاعين لمن كان سببا في الدمار الذي
لحق بهم فأصبحت صناعتهم تنافس صناعة الأمريكي والأوروبي في
عقر دورهم .
أن ما جرى في اليابان من خراب ودمار لا يقل
عما جرى في العراق أن لم يكن أعظم ، فهل نحن سائرون على
خطى شعب اليابان في تجاوز محنتنا وأعمار بلدنا والنهوض به
من جديد ؟ ؟ وإجابة عن تساؤلنا الطموح والمشروع هذا نقول
لابد ( أولا ) من خلق روح القدرة على الفعل السريع لدى
الفرد العراقي من خلال استنهاض ( نخوته وغيرته ) وتذكيره
على الدوام بأنه سليل مجد وحضارة تمتد لآلاف السنين وأن
لكل جواد كبوة ولكل قلم نبوة ، و ( ثانيا ) توحيد الصف
الوطني واستبعاد عوامل الفرقة والتجزئة والتناحر ، و (
ثالثا ) أن يكون لدى المسؤولين حكمة و رؤية صادقة للواقع
وحلولا ناجعة لجميع مشاكله ونظرة طموحة للمستقبل ، فكلما
كانت هذه الرؤية صادقة شفافة شمولية الأبعاد كانت حركتها
في قيادة المجتمع أكثر مرونة وتأثيرا . فالشعوب المنكوبة
لا تتحرك بغير قيادة ( حكيمة ) واعية تتحلى بصفات الشفافية
في الأداء والإخلاص في العمل والوضوح في الرؤية و تمتلك من
وسائل إقناع الجماهير بما تقدمه له من إنجازات ( مرئية )
وملموسة ، فما أعظم مآسي الشعوب حين تقودها قيادة لا تنظر
للأمور إلا من زوايا مصالحها الضيقة وما يصب في صالحها
ويخدم أهدافها المرحلية ، والتاريخ ملئ بالشواهد على
قيادات أوصلت شعوبها إلى التهلكة والمعاناة نتيجة قصر
نظرها وسوء تدبيرها ومعالجتها للأمور فدفعت شعوبها في طريق
الآلام والجراحات وتساقطت هذه القيادات سريعا وأصبحت في
ذمة التاريخ تلعنها شعوبها ليل نهار ، وقيادات حملت أعباء
شعوبها على أكتافها عند الأزمات وكانت رائدة في طرح الحلول
و سباقة في التشمير عن السواعد و النزول إلى سوح العمل
والإبداع فعانت معها وعايشتها وشاركتها شظف العيش وسوء
الأحوال لحظة بلحظة فسجلت أسمها بأحرف من نور واستحقت وعن
جدارة بأن تكون قائدة للمرحلة التاريخية . أن الفترة
الممتدة بين تسنم السادة أعضاء الجمعية الوطنية العراقية
وأعضاء الحكومة مسؤولياتهم ومهامهم وبين إجراء الانتخابات
القادمة لا تتعدى أشهرا معدودة انقضى منها قرابة ثلثها في
انتظار تشكيل الحكومة وأجراء المشاورات ( الكواليسية )
لترتيب بيتها الداخلي ، وانقضى الثلث الثاني منها بزيارات
( مكوكية ) خارج القطر ل( بعض ) أعضاء الحكومة والجمعية
الوطنية على حد سواء ضمن وفود جابت أرجاء المعمورة بأجندة
لم يعلن عنها ولم يفهم منها شيئ ولم نر انعكاسا إيجابيا
لها على واقعنا الذي ازداد سوءا وتعقيدا ، أما الثلث
الأخير من عمرها القصير فسينقضي ( حتما ) بالاستعداد
والتهيؤ للجولة الجديدة من الانتخابات وما ترافقها من
حملات الدعاية وإقامة الندوات والمقابلات في الفضائيات
العراقية والعربية لإظهار ما حققوه من منجزات في خدمة
المواطن ورفع الحيف عنه والذي كان سببا في ارتقائهم سلم
المسؤولية حين وضع ثقته بهم يوم الانتخابات الماضية ولا
أجد مناصا من ترديد ما جاء على لسان الإمام علي ( كرم الله
وجهه ) : [ قدر الرجل على قدر همته ، وصدقه على قدر مروءته
، وشجاعته على قدر أنفته ، وعفته على قدر غيرته ].
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
نشرت في جريدة الزمان بالعدد 2159 بتاريخ
11/7/2005
(*)
▲▲▲
|