كمـّل
الغـَرْكان
(1)
غَـطـَّة
(*)
لا يطيب الكلام إلا بعد الصلاة والسلام على
خير الأنام فصلوا عليه وسلموا تسليما ، أما بعد ، فقد
أعلنت وكـــالات فضائية نقلا عن ( المجلس الدولي للسيطرة
على المخدرات ) التابع للأمم المتحدة خبر تبوأ العراق
موقعا متميزا في تجارة وتسويق المخدرات ومواد أخرى غير
قانونية من خلال حدوده (الشرقية) التي أصبحت وأضحت وأمست
مع سبق الإصرار والترصد نقطة العــبور الرئيسة لهذه
التجـــارة ( الخبيثة ) وأنه اصــبح بؤرة ( متنامية ) لها
، ولنتأمل هذا ( الخبر – الصاعقة ) الذي تزامن نشره مع
ارتفاع دوامة العنف و عدم الاستقرار السياسي والأمني
والتدهور الاقتصادي واختفاء الخدمات العامة شبه الكامل
ليكون هذا الخبر خير تعبير للمثل الشــعبي الدارج ( كمـل
الغركان غطه ) ، ولنتساءل بمنتهى الشفافية والبراءة إن
كانت جائزة الظفر ب( الديمقراطية والحرية ) هو هذا التردي
والانتكاس في مجتمعنا وعلى كافة الميادين والأصعدة ، ففي
الوقت الذي كان يشهد للعراق بنقائه وخلوه من آفات اجتماعية
إلى قبل سنين خلت ( بغض النظر عن طبيعة دكتاتورية النظام
السابق وسلوكياته ) إلا أنه كان مجتمعا محافظا على قيمه
وسلوكيات أفراده وخلو أراضيه من هذه الادران والأوبئة ولم
تكن في قاموس ممارسات أبنائه مفردات طارئة برزت منذ سنتين
فلاحقا ( مخدرات ، أفلام إباحية ، تسليب في وضح النهار ،
خطف بقصد الفدية ، قتل وترهيب وتهجير لثروة العراق العلمية
من صفوة علمائه وأطبائه ، نهب للمال العام ، تفكيك للمصانع
والمعامل الحكومية وتهريبها خارج العراق ، سرقة وتهريب
للآثار بقصد إفراغ الذاكرة العراقية من شواهدها وشواخصها
التاريخية والحضارية ) ، أن الوضع الذي آل إليه العراق و
ابتلاءه بالممارسات المدانة التي سبق ذكرها إنما هي نتيجة
طبيعية لعدم الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي وهدم
وحرق لبنيته التحتية ضمن حلقات مسلسل (التدمير الممنهج )
الذي مر به قطرنا ، ولا أكون مجانبا للحقيقة إذا ما قلت أن
ما جرى و يجري من تجاوزات عبرحدود العراق الدولية جاء
كتحصيل حاصل لقرار حل الجيش العراقي السابق والذي كان حلقة
من أخطر حلقات مسلسل تدمير العراق وتحجيم قدراته كانت تهدف
(أولا) إلى إنهاء رمز وطني عراقي أصيل ، و (ثانيا) ترك
الحدود العراقية ( بجهاتها الأربعة ) سائبة مشرعة الأبواب
تتسلل منها عصابات التهريب والتخريب لتنقل إلى مجتمعنا
آفات وأمراض اجتماعية وسلوكيات وممارسات لم نألفها من قبل
، و (ثالثا) إلى اضطرب المشهد العراقي من خلال انتشار
الفوضى وعدم الاستقرار السياسي والأمني ، أن مكمن خطورة
هذا الخبر يكمن ( أولا ) في إنشاء عصابات محلية من ضعاف
النفوس وفاقدي المواطنة ترتبط بعصابات دولية تمتهن هذه
المهنة بقصد الربح السريع والتي قد تلجأ لممارسة العنف أو
إلى الأغراء المادي بوجه من يقف متصديا لهم مستقبلا و
(ثانيا ) في إمكانية تفشي هذه المخدرات في أوساط أبنائنا
وشبابنا الذين يكابدون جملة عوامل منها شظف العيش والبطالة
المتفشية والفراغ الأخلاقي الذي أوجدته المحطات الفضائية
بعرضها أغان رخيصة مبتذلة ل( كاسيات عاريات ) و أفلام
الجنس والإثارة والاتجار بالمخدرات وتبييض الأموال ، ولا
أكون مغاليا إذا ما قلت بأنها ظاهرة لا تقل خطورة عن مسلسل
التفجيرات والسيارات المفخخة نتجت عن مخطط خبيث طويل الأمد
وضع للنيل من طاقات وقدرات النشء الجديد الذي يعول عليه
مستقبلا لقيادة الأمة ، أن مسؤولية القضاء على هذه الظاهرة
تقع بالدرجة الأساس على ( أولي أمرنا ) أعضاء الجمعية
الوطنية ( الممثلين لمصالح الشعب والوطن ) و الوزراء من
خلال قيامهم بوضع الدراسات الجادة والفعالة وإصدار
التشريعات اللازمة واتخاذ القرارات ووضع برنامج شمولي يشمل
علاجا وحلولا لكافة العوامل التي ساعدت على نشوء هذه
الظاهرة من تسيب للحدود وتفشي البطالة بين صفوف شبابنا
وتحسين الخدمات العامة كالكهرباء والماء 000 الخ من اجل
الحد منها ومنع استفحالها وإجهاضها وهي ( جنين ) قبل أن
تكتمل حلقات بنائها ويقوى أساسها فتصعب حينذاك السيطرة
عليها إلا بنزيف دم آخر 0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الغركان باللهجة العراقية الدارجة
تعني الغريق .
نشرت في جريدة الزمان بالعدد 2149 بتاريخ
29/6/2005
(*)
▲▲▲
|