|
الكهرباء والمشتقات النفطية في العراق
شخصية
عام 2004 دون منافس ! (*)
لقد جرت العادة في دول العالم ( المتمدنة ) على ممارسة
طقوس حضارية فريدة وطريفة ... ولعل أبرزها ااختيار الشخصية
الأكثر تأثيرا ( سلبا أو إيجابا ) في نهاية كل عام، حيث
يجري نشر استفتاء عام عبر وسائل الأعلام المقروءة منها
والمسموعة وعبر الإنترنت يشارك به المواطنون بمختلف
مستوياتهم الاجتماعية والثقافية يتم فيه ترشيح و اختيار
الشخصية التي لعبت دورا فعالا ومؤثرا في المجتمع وكان لها
تأثير عظيم وفاعل من خلال سيطرة تحركاتها وتفاعلاتها على
مجريات الأحداث لذلك العام، وأبرزت أخبار أنشطة وفعاليات
هذه الشخصية في معظم صفحات الجرائد والمجلات على شكل
عناوين بارزة ومقالات طويلة جرى التطرق لتأثيراتها على
المجتمع عموما .
أن
هذا التقليد ( الحضاري ) تمارسه مجلات عالمية ووكالات
أنباء و صحف واسعة الانتشار تتفنن في طريقة طرحه وعرضه
وتسويقه حيث يتم فيه طرح أسماء سياسيين وعلماء وأدباء
وفنانين وقادة عسكريين ورياضيين كانت لهم إسهاماتهم
وإنجازاتهم (كل في مجال عمله وتخصصه ) وما ترتب على ذلك من
تأثيرات عظيمة الشأن على البلاد خلال العام ليتم اختيار
شخصية العام من بينهم بعد فرز الأصوات واختيار من جمعت
سلته أكثر الأصوات، وكل ذلك يجري بقصد الاحتفاء به وتكريمه
وإبراز دوره وتسجيل أسمه في كتب التاريخ لتتذكره الأجيال
القادمة بعد مئات السنين، فعلى سبيل المثال لا الحصر فأن
مجلة تايم الأميركية كانت قد اختارت الرئيس بوش الابن
ليكون رجل العام 2004 من بين متنافسين أميركيين كان من
ضمنهم ( ميل جبسون ) مخرج فيلم ( الآم السيد المســـيح ) و
( مايكل مور ) مخرج فلم ( فهرنهايت 11/9 ) الذي أنتقد
ممارسات الإدارة الاميركية قبل وبعد أحداث 11/9، ولا يخفى
على اللبيب معرفة أسباب رجحان كفة الرئيس بوش الابن في
جمعه أكثر الأصوات لصالحه والذي جاء كتحصيل حاصل للدور
(العظيم والتاريخي) الذي قام به في مقارعة ومحاربة (
الإرهاب ) الذي هدد و يتهدد الولايات المتحدة الأمريكية في
عقر دارها بعد أحــــــــداث 11/9 و ( مساعيه الحثيثة
وجهوده الجبارة والنبيلة ) في سبيل رص صفوف دول العالم من
أجل أبعاد شبح ألإرهاب عن الدول (المتحضرة والمتمدنة
)القادم كهجمة صفراء من دول العالم الثالث ( المتخلف )،
والعمل بدأب ونشاط لنقل هذه ( المعركة المقدسة ) بكل
أحداثها ومآسيها وتفاعلاتها إلى أرض العراق ( كما ورد على
لسانه شخصيا في أحدى خطبه وتصريحاته )، جنبا إلى جنب مع
تصـــــدير مبادئ ( الديمقراطية ) بأبهى ( صورها ومعانيها
) إلى أرض الرافدين موطن أولى الحضارات الإنسانية في
العالم ومنبع التشريع القانوني الأول المتمثل والمتجلي
بأروع بنوده بمسلة حمورابي التي نظمت العلاقات الإنسانية
بأبهى وأكمل صورها قبل الآف السنين والمركونة الآن في
متاحف فرنسا ؟؟.
أما في دولنا العربية (الرائدة ) و بفضل قادتها وحنكتهم
السياسية وذكائهم اللامحدود وبعد نظرهم ( الميتافيزيقي )
غير المنظور، والتي تسعى حثيثا لتسابق الزمن بتقدمها
العلمي والحضاري والتي أصبحت قبلة للأنظار ومحط حسد شعوب
الأرض لما آلت الأوضاع فيها من ازدهار، فأعتقد جازما بأن
القـــادة ( التاريخيين و الأزليين ) للشعوب العربية ليسوا
بحاجة إلى إجراء استفتاء من هذا الطراز كي نعلن للملأ
بأنهم رجال العام وكل الأعوام ( من قبل ومن بعد )، فالأمر
بديهي ومعلوم لما قدموه من إنجازات عظيمة من لحظة ارتقائهم
كرسي الحكم بمشــيئة وإصرار شعوبهم ومكوثهم فيه متربعين
بإصرار على سدته لا يفرطون به نزولا عند رغبة الجماهير
العربية، ليس حبا بالكرسي ومكاسبه وامتيازاته ووجاهته ولا
عشقا بجمال تصميمه وغلاء خشبه ونعومة مخمله وسحر الجلوس
عليه، بل تضحية وإيثار منهم في سبيل خدمة شعوبهم العربية
التي عانت ما عانت قبل استلامهم لكراسي السلطة والتي ما
انفكت تلهج بالدعاء والثناء لهبة السماء بمقدمهم ولجهودهم
العظيمة في التخطيط والتفكير بسعادتهم وحماية ثروات
بلدانهم ( أن لم تكن قد جيرت لحساب الأجنبي ) وتأمين
الحياة الكريمة لأبنائهم وأبناء أبناء أبنائهم وفي الذود
عن حياض أوطانهم ومكتسباتهم وحمايتها من الأعداء والطامعين
والمارقين وضعاف النفوس من الطابور
الخامس.
أما في العراق، فالأمر يختلف تماما عما هو دارج في باقي
المعمورة في كيفية اختيار شخصية العام وذلك للظروف غير
الطبيعية التي يمر بها شعبنا نتيجة لنقل مقارعة الإرهاب
إلى أراضيه وجعلها القاعدة المتقدمة لمحاربته خدمة
للإنسانية جمعاء، ولاشك بأن شخصية العام عندنا لا تتمثل في
شخص محدد، فقد تنحصر في أكثر من رمز أو عنوان وكلها تستحق
وبجدارة لتتبـــــوأ ( شخصـية العام )، فعلى سبيل المثال
وما أكثرها، هناك أزمة الكهرباء المزمنة والموروثة عن
النظام السابق والتي ابتدأت منذ بداية التسعينات وصولا إلى
يومنا هذا حيث عانى ما عاناه المواطن من البرمجة والوعود
بإنهاء الأزمة منذ عقد ونصف دونما حل أو علاج أو تخفيف
وطأتها، وهناك أزمة ( النفط والغاز والبنزين ) المستفحلة
و المتفاقمة يوما بعد يوم والتي أدت وساعدت إلى بروز
مافيات النفط المحلية ( ما خفي منها وما ظهر ) والتي بدأت
تفعل الأعاجيب وتبتكر الأساليب وتتفنن في الانتشار وإرساء
جذورها في سبيل استثمار هذه ( الأزمة ) وديمومتها إلى أطول
فترة ممكنة بغية الحصول على أكبر المكاسب من السُحت الحرام
وعلى حساب ومصلحة المواطن، فكان أن ارتفعت جراءه القصور
العامرة واستملكت السيارات الفارهة والتي انعكست سلبا على
مجريات حياتنا اليومية من خلال صعوبة الحصول عليها وبروز
سوقها السوداء الكالحة المعتمة .
كل هذه العناوين والرمـــوز ( أزمة الكهرباء، أزمة النفط
ومشتقاته، وأزمات لا مجال الآن لذكرها ) تستحق جميعا
وبجدارة منقطعة النظير أن تكون شخصية العام 2004، لم لا
وأخبارها ملأت الصحف والمجلات المحلية والعالمية، وقام
المحللون السياسيون بتحليل مسبباتها والتي كانت فيما مضى
تعزى إلى ( الحصار الجائر ) واليوم تنسب إلى الإرهاب
والتخريب، إضافة إلى دراسة آثارها الجانبية على الفرد
العراقي البسيط والربط فيما بينها لمعرفة العلاقة الجدلية
التاريخية بين هذه الأزمات، كما وانتفض المسئولون الغيارى
في الوزارات والدوائر المعنية لوضع الحلول وإعداد الخطط
ورسم الجداول الإحصائية والخطوط البيانية الكفيلة بوضع
السقف الزمني اللازم لاجتثاها من جذورها وتحديد آليات
علمية حضارية للقضاء عليها أو الحد من انتشارها على أقل
تقدير ... وما الزيارات المكوكية التي يقومون بها بين
الفينة والأخرى إلى دول العالم واجتماعاتهم بنظرائهم في
هذه الدول إلا من أجل التدارس والتباحث وتبادل وجهات النظر
والبحث والتقصي عن جذور هذه المشاكل والأزمات لإيجاد ووضع
الحلول، ولكي نكون موضوعيين ومنصفين في أسباب ترشيحنا
لأزمة الكهرباء مثلا كإحدى الشخصيات المؤثرة هذا العام،
نقول بأن أجهزتنا المنزلية التي تعمل بالطاقة الكهربائية
قد أصابها الملل و الإحباط واليأس من ندرة استخدامها
وإصرارنا على تجاهلها وتناسيها فتقدمت ألينا بطلباتها (
وباستحياء) طالبة إعفاءها من العمل مع ركنها وتغطيتها
بأكياس النايلون تقديرا منها لعدم حاجتنا إليها في الوقت
الراهن أو لما أصابها من عطل وأضرار جراء القطع المفاجئ
غير المبرمج للتيار الكهربائي وإعادته ألينا بشكل مفاجئ
وبفولتيات غير مستقرة مما أصابها بأضرار أثر ذلك على
معنويات هذه الأجهزة وأصابها بالإحباط فآثرت واستحسنت
الانزواء وبطيب خاطر في هذه المرحلة رغم أهميتها وضروراتها
الحياتية المعاصرة، ثم ما جدوى تصليحها إذا كانت ستصاب
بالعطل والخراب مرة أخرى، فكان لهذا أكبر الأثر في اتخاذنا
( قرارا عظيما ) له أسبابه ألا وهو اعتمادنا كلية على
وسائل الإنارة التراثية البديلة، تلك الوسائل التي سبقت
أحداث الحرب العالمية الأولى بعشرات السنين والتي طالما
تغنى بها الشعراء واستغلها العشاق عند انفرادهم بأحبتهم
يتبادلون الآهات والحسرات والتي أصبحت الآن مركونة في
المتاحف الفلكلورية لدول العالم والتي لم يسمع بها أو يهنأ
بلمسها والتمتع بفوائدها معظم شباب أوربا وأمريكا ألا من
خلال ما شاهدوه في الأفلام التي تحكي قصص رعاة البقر أو
حكايات عن فترة الثورة الفرنسية وروائع أحدب نوتردام، تلك
الأجواء الشاعرية والساحرة التي ما زلنا نمارس طقوسها
بعناد وإصرار عجيبين تقديرا منا وأحياءا للفلكور الشعبي من
خلال استخدامنا الشموع و الفوانيس النفطية المعروفة
شــــعبيا ب ( اللاله ) والتي غالبا ما كانت هذه التسمية
تطلق على جميلات تلك الحقبة من الزمان الماضي .
أما ما يخص المرشح الثاني لشخصية العام 2004 ( النفط
ومشتقاته ) والذي يستحق هذا التكريم والتعظيم والوقوف
أمامه بكل إجلال وإكبار لدوره الكبير والمؤثر في كافة
مرافق الحياة أسوة بالكهرباء والذي نافسه وزاحمه في ريادته
في التأثير على حياة المواطن وأعادته ( قسرا ) إلى الأجواء
الشاعرية والحياة الرومانسية التي ( فقدتها أو هجرتها )
معظم دول العالم المتحضرة، فليس من اليسير على المواطن
الحصول على ما يسد حاجته اليومية من النفط أو الغاز لأغراض
الطبخ والنفخ أو التدفئة إلا من خلال الهرولة اليومية
بالعبوات ليل نهار تاركا عمله ومصدر رزقه والتدافع
بالمناكب مع الأكوام البشرية المتلاحمة المتلهفة للحصول
على ما يسد حاجتها ويطفئ لوعتها درءا لما تعانيه هذا
الموسم من شدة البرودة خلافا لما كان عليه موسم الشتاء
المنصرم ليعود إلى داره في أغلب الأحيان كما جاء ... خالي
الوفاض مهيض الجناح كسير الفؤاد تعلو قسمات وجهه الإحباط
والانكسار ( رغم الأحلام الوردية التي يحملها في رأسه في
غد مشرق وزاهر ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. نشرت
في جريدة الزمان العدد 2006 بتاريخ 5/1/2005
(*)
▲▲▲
|