( بخـّاخ
) مـادة الثقة
(*)
لا يمكن وصف حالة الفرح التي انتابتني حين
وقع بصري قبل أيام على خبر علمي طريف ومذهل كان قد نشر في
جريدة الزمان الغراء حول اكتشاف الباحثين في (جامعة زيوريخ
السويسرية ) مركبا كيميائيا تحت الاسم العلمي (أوكستوسين )
يتواجد بشكل طبيعي و ( رباني ) في جسم الإنسان أطلق عليه
((مادة الثقة )) ومن تأثيرات استنشاقه من قبل مجموعة من
الأشخاص ظهور علامات الثقة على تصرفات بعضهم تجاه البعض
الآخر فتسود بينهم أجواء المحبة والوئام بعد العداوة
والخصام ، وراودني الأمل من جديد واستيقنت أن رحمة الله
واسعة حين شاءت حـكمته أن ( تستتر ) هذه المادة في جسد
عبده الإنسان لآلاف السنين لتظهر فقط حين تنعدم الثقة بين
عبيده البشر وتسوء العلاقات الإنسانية وتظهر الأطماع ،
وبدأ شريط سينمائي يترى في مخيلتي عن هذا الاكتشاف المذهل
ونتائجه إذا ما تم استخدامه في العراق في هذه المرحلة
العصيبة من تاريخنا المعاصر ومحصت الأمر من كافة جوانبه
وفكرت عميقا عن كيفية استغلاله للحصول على أفضل النتائج
وأسرعها فأدركت ضرورة توفر شرطين ( متلازمين ) :- أولهما
أن يتم استخدامه من أعلى الهرم ( الحكومي والسياسي ) حتى
آخر حلقة في المجتمع المتمثلة ب( الأسرة ) لضمان شمولية
انتشار الثقة والمحبة ، وثانيهما أن لا تمتد ( الأيادي
الخفية ) لتعبث بمواصفات هذا المركب فتغير تركيبته
الكيميائية ضمانا للمحافظة على كفاءة فعاليته 0واستمر
الشريط السينمائي في ذهني مستعرضا ( عدم فاعلية ) المقالات
الكثيرة التي كتبتها الأقلام الخيرة من أبناء هذا الوطن
الجريح التي تحض على زرع الثقة ورص الصف الوطني وتكاتف
الجميع لنسيان مآسي الحقب الماضية ليأتي خبر هذا الاكتشاف
بمثابة هدية رب العباد لمعالجة مآسي سنوات طوال خلت وما
أضيف إليها من مآس بتسميات جديدة بعد الزلزال المدمر الذي
أصابنا خلال السنتين المنصرمتين وما نشأ عن هذه التراكمات
انخفاض تدريجي وخطير بمعدلات الثقة بين حلقات المجتمع
ابتداء من الحلقة الدنيا المتمثلة بالعلاقات الأسرية حين
لم يعد البعض من أبنائنا يحترم توجيهات والديه ، كما واصبح
الجار يشك ببضع نظرات بريئة يرمقه بها جاره فتتصارع في
ذهنه الأفكار السيئة ، ويستفحل الأمر صعودا إلى حلقات
المجتمع الأكبر لتشمل زملاء العمل في المدرسة والجامعة
مرورا بتردي العلاقة وانعدام الثقة بين المواطن ودوائر
الدولة وصولا إلى أخطر الحلقات المتمثلة بالعلاقات بين
الأحزاب والكتل السياسية المتنافسة في العراق حيث شابها
تأزم مستمر فالكل يخشى الكل ويتوجس منه خيفة ويعده عدوا
تقليديا منافسا لطموحاته وفق شعار ( من لم يكن معنا فهو
ضدنا ) المناقض تماما لشعارات الديمقراطية والحرية
المرفوعة هذه الأيام ، فتفشت حالة عدم الثقة المتبادلة بين
أطراف المعادلة السياسية العراقية كافة ( الفائزين وغير
الفائزين وغير المشاركين بالانتخابات على حد سواء ) وهذا
لعمري أخطر ما في الأمر ، فلنتصور حجم المأساة وعاقبة
الأحداث حين يتركز فقدان الثقة بعقول من بيدهم مفاتيح
اللعبة السياسية وخلاص العراق ومصير أبنائه من مسؤولين
وساسة بكامل ألوانهم السياسية والطائفية والاثنية وجملة
تساؤلات تدور عن مصير العراق وأبنائه في هذه الأجواء
الملبدة بالغيوم والأعاصير والوسيلة لاستقراره وهدوء
سكينته والتئام جراحاته وتوقف نزيفه لاسيما وأننا على
أعتاب مرحلة كتابة الدستور الدائم ليتحدد مستقبل العراق
وشعبه بكافة أعراقه وأديانه ومذاهبه 0؟؟
إلا أن الشريط السينمائي الذي أبتدأ بالأمل
في اكتشاف هذه المادة سرعان ما تسارعت أحداثه بشكل تراجيدي
عنيف ليصل إلى طريق مسدود لحظة تذكر الدول الكبرى
المتحكمة بمصائر شعوب دول العالم الثالث ودورها في عدم
الاستقرار من خلال المكائد والدسائس التي تحيكها لخلق
أجواء عدم الثقة في العلاقات الإقليمية والدولية والتي
تعتبر حجر الزاوية للحروب الأهلية والإقليمية وما تعنيه من
ازدهار و تطوير لتكنولوجيا السلاح ومعدلات استهلاك لها وما
تدره من أرباح تقدر بمليارات الدولارات سنويا مما سيدفعها
والحالة هذه لعقد اجتماعات سرية والخروج بقرارات لممارسة
الضغوط لاحتواء هذا الاكتشاف ووأده في مختبرات ( سويسرا )
قبل انتشاره في مجتمعات العالم الثالث فتنتشر المحبة
والوئام وينزع الغل والخصام فتصيب شركات إنتاج الأسلحة
وصناع الحروب الكساد والإهمال فتتحول شركاتها ومعاملها إلى
ورش لصنع المربيات والطرشي أو أفران معجنات لتجهيز البيتزا
و ( البيتي فور ) ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر فأن هناك
سببا ( ستراتيجيا ) آخر يدعو الدول الكبرى إلى محاربة هذا
الاكتشاف الخطير ناشئ عن نظرية المؤامرة وقرار الضربة
الاستباقية خوفا من احتمال قيام ( المنظمات الإرهابية
الدولية ) المنتشرة في دول العالم الثالث بالاستحواذ على
هذا الاكتشاف ونشره في بلدان العالم ( الحر ) مما سيقلب
قادتهم من صقور ترعد وتزبد وتهدد بالويل والثبور إلى حمائم
سلام وطيور
LOVE BIRD
( تزقزق ) وتنشد أعذب الألحان وقد تتفاقم
الحالة الإنسانية فيعمد قادة الدول الغنية إلى اتخاذ
قرارات تاريخية قد تصل إلى حد اقتسام ثروات شعوبهم مع
شعوب البلدان الفقيرة والمعدمة [ كما تآخى المهاجرون
والأنصار في المدينة المنورة بعد هجرة الرسول الأعظم محمد
( ص ) مباشرة وتقاسموا كل شيء ]، وتوتة توتة خلصت
الحدوتة 0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
.
نشرت في جريدة الزمان بالعدد 2141 بتاريخ
20/6/2005
(*)
▲▲▲
|