|
من ملك استأثر … ما لم ؟؟(*)
لطالما
راودني تساؤل عما يميز الحاكم الغربي عن الحاكم العربي
ويمنح ( الأول ) ذاك البريق الإعلامي الأخاذ والصدق في
الأداء ( أمام شعبه ) ، ولست أستاذ فلسفة متخصص بعلم
الاجتماع لإجراء تحليل ( علمي دقيق ) في هذا المجال ، إلا
أنني خرجت بنتيجة ( وفق اجتهادي الشخصي المتواضع ) من أن
الحاكم هو الحاكم ( فردا كان أم حزبا ) في أي ظرف زماني أو
مكاني يكون ولأي جنسية ينتمي ( عربية أو أوروبية أو حتى
أمريكية ) ، فهو بشر خلقه الله ( سبحانه وتعالى ) بمشاعر
ونوازع وأطماع ، يتملكه التفكير وتحركه ( بوصلة اهتماماته
) في كيفية الوصول إلى ( المقعد الأول في الدولة ) حبا
بالجاه والتسلط و النفوذ ، أما ( اسطوانة ) المواطن وما
يعانيه من مشاكل وهموم ففي حقيقة الأمر هي ( أمور تكميلية
تجميلية ) يقوم بعزفها ضمن فترة دعايته الانتخابية لأنها (
الوسيلة ) الأنجع التي توصله إلى ( غاياته ) ، غير أن هناك
فرقا بين طبيعة ودرجة متانة العلاقة بين المجتمع وبين
الحاكم لكليهما وتأثيرات هذه العلاقة بالسلوكية التي
ينتهجها هذا الحاكم أو ذاك ، فالحاكم الغـربي ( تتحكم به )
القوانين والتشريعات الدستورية بفضل عوامل كثيرة منها وعي
المجتمع وإدراكه لحقوقه وواجباته وتقدمه الحضاري والإنساني
وتطور مؤسساته المدنية وفاعلية برلمانه وسيادة القانون
وتلك الآلية الدستورية التي وضعها المجتمع للحاكم ورتبها
بشكل ( خارطة للطريق ) واضحة المعالم تحوي من ( الإشارات
والعلامات التحذيرية والإرشادية ) ما تعين الحاكم في أداء
مسؤولياته ليعرف أنى وأين يقف وكم تكون سرعته عند (
المنعطفات والانحدارات ) ومتى يسير وأين يتجه فيكون بذلك
سيره آمنا غير محفوف بالمخاطر والمفاجآت 0 في حين أن
الصورة بالنسبة للحاكم العـربي مقلوبة تماما حيث يتحكم
بالقوانين والمؤسسات كافة ويسيرها وفق ما يشاء وهو الآمر
الناهي فلا ( خارطة للطريق ) تعينه ولا قانون يحاسبه ولا
أعلام ينتقده في ظل تغييب كامل لإرادة المجتمع واختفاء
مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب الوطنية المعارضة طيلة
العقود المنصرمة 0 ولم أكن مخطئا البتة حين أصف الحاكم
الغربي ( أمريكيا كان أم أوروبيا ) بحبه للجاه والنفوذ
والاستحواذ على الحكم وخير دليل على ما ذهبت إليه فضيحة (
WATER GATE ) وخروج الرئيس نيكسون من البيت الابيض جراء
تجسس حزبه على مكالمات غريمه وما يدل ذلك على التسابق
المحموم للأحزاب والأفراد في الحملة الانتخابية في بلدانهم
واستخدام مبدأ ( الضرب من تحت الحزام ) سعيا للوصول إلى
(المقعد الأول) ، فالنفس البشرية [ سواء أكانت بيضاء
البشرة أو سوداء أو صفراء أو ( ليمونية ) ] تتنازعها
أطماعها وتستحوذ عليها نزواتها لتنفيذ مآربها ( بشكل
قانوني أو غير قانوني ) إن تهيأت لها البيئة ( الملائمة
والطيعة ) ، إلا أن ما يحد من درجة أطماعها ونزواتها و
سلوكياتها ( التسلطية ) ردة الفعل المقابل في المحيط
والبيئة التي تعيش فيها والمتأتية أساسا من متانة بناء
المجتمع واكتمال حلقاته وتماسكها نتيجة لاستقرار أوضاعه
السياسية والاقتصادية والثقافية ، ويتأتى هذا الاستقرار
والطابع الحضاري المميز للعلاقات الإنسانية التي تربط
الحاكم بالمحكوم واحترام القواعد والأسس القانونية التي
وضعها ( عقلاء ) الأمة و (حكماؤها) لتيسير وتسيير شؤون
حياتهم وفق تناسق وتوازن رائع بين الحقوق والواجبات ، فحق
المواطن بالحياة الكريمة السعيدة تضمنها له التشريعات
الدستورية وحرية المواطن وحمايته تتم بفعل سيادة القانون ،
وحدود حريته داخل المجتمع مؤشرة تنتهي حين تبدأ حرية
الآخرين فلا تتقاطع معها في أي حال من الأحوال إلا في
حالات شاذة ونادرة ( فلا يخلو زور من واوية ) كما يقال في
الأمثال لدينا 0 إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها
بالوعظ المجرد وحده ( كما يقول الدكتور علي الوردي ) ، فهي
كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة ، ولا يمكن
التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشيء من صفات
أصيلة ، ولكي تسيطر على الطبيعة فأنه يكون لزاما عليك أن
تدرسها لتتمكن منها ، والإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة
المحيطة به وأنه لابد وأن يتم وضع ضوابط وقواعد يؤمن
بجدواها وفاعليتها ليحترمها وينقاد إليها ويدافع عنها ويتم
ذلك بانقلاب فكري في سلوكيات المجتمع وهذا تماما ما توصلت
إليه المجتمعات الغربية من هذا التناغم والتناسق في
العلاقات المتوازنة بين الحقوق والواجبات لعموم المواطنين
من جانب وبين الحاكم والمحكوم من جانب آخر الذي كان له
أكبر الأثر في استقرارها وتقدمها ، فأطرت للحاكم ( ومنذ
عقود خلت ) مسؤولياته وحقوقه ليعلم أنه ليس إلا موظفا
يتقاضى راتبه من الدولة التي هو يرأسها وأن القانون فوق
الجميع ، وبذلك (فقط) تم تحجيم نزوات ورغبات الغرائز
البشرية ( للحاكم الغربي ) والسيطرة عليها والاستفادة منها
نحو صالح المجتمع واستقراره 0 في حين ما زلنا نتخبط في
سيرنا فلا نعرف السبيل لخلق التوازن والتناسق بين حقوقنا
كبشر ( أعزه الله وأكرمه ) وبين الواجبات الملقاة على
عاتقنا والتي لن تتم إلا من خلال انقلاب جذري في فكر وسلوك
أفراد مجتمعنا لتأسيس ضوابط وقواعد حضارية نؤمن بها ونسير
وفقها ونحترمها ونحافظ عليها ونقاتل من أجلها فلا نترك
مصائرنا ومستقبلنا مرتبطة بأهواء ونزوات وأطماع الحاكم
فينا وسبحان الله الذي قال [ لا يغير الله ما بقوم حتى
يغيروا ما بأنفسهم ] صدق الله العظيم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرها
في جريدة الزمان العدد 2134 بتاريخ 12/6/2005 (*)
▲▲▲
|