|
( شماعات ) اختلفت أزمانها و تشابهت
أغراضها (*)
الحديث عن
( الشماعات ) ذو شجون ، إلا أن ما يجمعها ويوحدها
استخدامها لأغراض (الركن والتعليق) أبتداءا من تعليق
الملابس وانتهاءا بتعليق فشل البرامج والخطط من خلال إطلاق
الحجج وطرح الأعذار والحاق مسبباتها بالظروف القاهرة ،
ولعل من أولى واشهر الروايات والحكايات للشماعات والتي
خصصت ( أصلا ) لتعليق الملابس وراحت مضربا للأمثال حكاية (
مسمار جحا ) ولو أن الداهية ( جحا ) لم يكن مقصده تعليق
قميصه فيه بقدر ما كان تصرفه التحجج واختلاق الأعذار له
لاقتحام الدار التي أجرها لغرض ما في نفسه ، ولا شك أن (
مسمار جحا ) كان مصدرا كبيرا لإلهام رجالات السياسة على مر
الدهور والعقود في استلهام وتأسيس فكرة استــحداث (
الشماعات ) على اختلاف أنواعها من أجل أيجاد مخرج لحالة
الإحباط والفشل والتسويف والمماطلة التي تعتري الإنجازات
والخطط والبرامج وتعليقها في شماعاتهم الخاصة فتكون
الأعذار جاهزة للتقديم كما تقدم الوجبات الغذائية سريعة
التحضير عند الطلب 0ومما لاشك فيه أن أسباب اللجوء إلى (
الشماعات ) هي تلكم القرارات الخاطئة أو المجتزأة والحلول
غير المنطقية الموضوعة من قبل أناس وجدوا أنفسهم ( في غفلة
من زمن كانقلاب عسكري أو ما شابه ذلك ) في سدة القيادة
ومركز اتخاذ القرارات المصيرية والذين قدموا الوعود ورسموا
الأحلام الوردية بالقضاء على كل مسببات التخلف في المجتمع
وقلب الأوضاع نحو الأفضل فكان الفشل حليفهم و ( شماعات )
الأعذار ملجأهم الطبيعي وملاذهم الأخير ليزداد الحال سوءا
ويتفاقم الأمر ، ومن هنا تكمن خطورة استحداث مفهوم (
الشماعات ) حيث يبدو الأمركمن يضع العربة بحمولتها الثقيلة
أمام الحصــان أو كمن يريد ( حلب ) ثور على أساس أنه بقرة
هولندية حلوب ، فعلى سبيل المثال لا الحصر ما يعزفه
منتخبنا الوطني لكرة القدم عند أي انتكاسة لهم في محفل
دولي من نغمات ممجوجة ( كالكاع العوجة ) أو هطول الثلوج
على أرض الملعب أو تحيز حكام المباراة ضدهم فلم تبق في
جعــبتهم ( شماعة ) غير ترديد إدعاء تلقي لاعبي الفريق
الخصم معونة من (ملائكة السماء ) فتكون النتيجة هذا
التراجع المخزي في عطاء كرتنا العراقية 0 إلا أن أخطر هذه
( الشماعات ) وأسوأها ما يتعلق بمصائر الشعب ومستقبل
أجياله كفشل الخطط التنموية وبرامج تحديث التعليم وإصلاح
البنية التحتية وتأجيلها وتسويفها فتدور عجلة الزمن وتتقدم
بلدان (ونحن كما نحن ) نبحث في قواميس الفشل والإحباط
والتبريرات عن ( شماعات ) بمصطلحات جديدة غير مطروقة تكون
بنت الحدث ووليدة الساعة لنلقي عليها ما نضيق به أو نفشل
في إنجازه ، وهذا النوع من ( الشماعات ) قد أبتلى به أبناء
العراق منذ عشرات السنين حيث تطور مفهومه وتقولب وفق رؤى
وهوى الحكومات التي تعاقبت على إدارة دفة الحكم فيه بدءا
من الملكية حتى يومنا هذا لتلقي عليها كل أسباب الفشل
والتسويف وعدم التخطيط السليم والتخبط السياسي والإداري ،
فسمعنا كثيرا عن ( شماعة الإمبريالية والاستعمار) و (
شماعة نظرية المؤامرة ) في فشل تطبيق برامج تنموية
اقتصادية تدفع بالعراق نحو الأمام ويتتقل به إلى دولة لا
تعتمد على واردات النفط في ميزانية إنفاق الدولة ثم
استحدثت ( شماعة الرجعية العربية ) و ( شماعة عدم الوعي
السياسي للمواطن ) لضرب التوجه نحو خلق التعددية الحزبية
الشفافة لتحقيق الحياة البرلمانية الحقيقية وقيام دولة
المؤسسات والمجتمع المدني ، وتطورت (الشماعات) حسب ظروف
البلد الذي كان يمر به فظهرت لنا ( شماعة ) خاصة لشد
الأحزمة على البطون ليلقى مواطننا من شظف العيش وقلة ذات
اليد ، وكان أقسى ما مر على العراق وكان له أكبر الأثر في
توقف عجلة التقدم في معظم مناحي الحياة تلك الفترة الزمنية
التي ألقيت على ( شماعة الحصار ) وكان من نتيجته الانهيار
الاقتصادي شبه الكامل وتردي سعر الصرف للدينار العراقي في
مواجهة العملة الدولية فزاد الفقر وارتفعت مستويات البطالة
واتسعت الفجوة الاجتماعية بين الطبقتين ( الميسورة ) و (
المعدمة ) كما وتدنت الخدمات بشكل كبير 0 ثم سقط النظام
السابق وحلت الديمقراطية وهلت المساعدات وعقدت المؤتمرات
الدولية الخاصة بإطفاء الديون واستقدمت فرق إعادة الأعمار
وطرحت البرامج والخطط ، وانتظرنا تحسنا سريعا في أداء بعض
المرافق الخدمية والتي لها مساس مباشر بالمواطن كتحسن
الكهرباء والماء ومفردات البطاقة التموينية والتي يعتمد
عليها 90% من أفراد شعبنا ( المسالم الطيب ) ، فماذا كانت
النتيجة ؟ مشروع فتنة طائفية يجري التحضير لها في ظل تدهور
أمني غير مسبوق وعدم استقرار سياسي وأداء خدمي لا يكاد يحس
به لندرة عطائه وأخبار تترى من هنا وهناك عن أموال فقدت
ومساعدات مالية اختفت لم تجد لها ذكرا في سجلات مالية
ومشاريع ابتلعت أموالا طائلة دون تحسن ملحوظ ، وتردد عبارة
مصطلح جديد لشماعة جديدة أطلق عليها ( شماعة الإرهاب وتآمر
دول الجوار ) ولا ندري متى تستبدل هذه الشماعة وتحت أي
مسمى ستظهر بها للمرحلة القادمة ؟؟0
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
. نشرت
في جريدة الزمان / العدد ( 2128 ) بتاريخ 5/6/2005 (*)
▲▲▲
|