|
الصـبر
000صبـران (*)
كلما اتجهت
لكتابة مقالة أصابت الغمة زوجتي وركبتها الهواجس والظنون ،
ولطالما حذرتني وتردد على مسامعي [ أخاف راح تلبس حـجـول
(1) وبتـوت (2 ) من وره هذي المقالات ] فيتملكني الضحك من
هواجسها هذه و أخبرها بأنني سأهديها هــــذه ( الصوغة (3)
الثمينة ) إن منحت لي يوما فترتسم على ثغرها بسمة ،
وأطمئنها بأن ما أتناوله عبر مقالاتي ليست انتقادا لجهة
محددة بعينها ، ( ومن برأسه بطحة يتحسس ) كما يقول أشقاؤنا
المصريون ، وجل ما أقوم به إشارتي إلى ظواهر وممارسات تعمل
من أجل تفتيت المجتمع محذرا من تداعياتها وخطورة المناداة
بها والسير في ركابها ، داعيا الجميع إلى تجنبها وإسقاطها
من رحم أمها وهي بعد ( جنين ) لتفويت الفرصة على كل موتور
وحاقد أو مغرر به غير مدرك ، والتمسك بفضائل الأخلاق
ومكارمها و هي نجاتنا وخلاصنا ، فأنا أفكر بصوت عال وأدعو
إلى نهج لزيادة اللحمة الوطنية ورأب الصدع و قطع دابر
الفتنة ، وأنا مؤمن بالباقيات الصالحات مما تبقى من أيام
عمري ، مؤمن بأننا جميعا مدينون للعراق بالسعي لتجاوز
محنته والقفز على واقعه المر و مداواة ألمه ، وتراودني
أحلام عريضة وشفافة بأن يسمح لي قطار العمر ( باختصار
الزمن ) لأصل إلى المحطة التي ننتظرها جميعا حيث استقرار
بلدنا الحبيب ، فلا سيوف مشرعة في وجوه بعضنا البعض ، ولا
خنادق محفورة ومتاريس مصفوفة تمنع الالتقاء والتواصل ، ولا
نفوس محتقنة متخندقة متربصة يكيد بعضها لبعض ، حيث يشيع
الأمان والاستقرار ، الرفاه والازدهار ، المحبة ملء الصدور
، و القلوب تنبض بحب عراق الحضارة والفتوحات الإسلامية ،
و ما أضيق العيش لولا فسحة ضيقة من الأمل نناغيها
بكتاباتنا ونسيح بها بوجداننا ، خصصنا لها جزءا صغيرا جدا
من تلافيف أدمغتنا المتعبة ليكبر هذا الأمل ويتسع بالصبر
الجميل على كل ما يجري لنا ، وما أحوجنا إلى الصبر ( وطول
البال ) ونحن نمر بنفق ضيق مظلم طويل حشرنا فيه حشرا
بانتظار الطرف الآخر حيث بصيص الأمل والنور والضياء ،
والصبر هنا صبران كما قال الإمـام علـي ( كرم الله وجهه )
[ الصبر صبران : صبر على ما تكره و صبر عما تحب ] ، صبر
لما تكرهه من أيام عجاف ألمت بنا حين استشرى سوء الخلق في
كل مكان فكان الارتزاق الحرام ونهب المال العام والحرق
والتدمير فانكفأت الفضيلة وانزوت وتقوقعت خجلى ( إلى حين
يشاء الله تعالى ) ، وحسبنا (وسط هذه الأمواج العاتية
المتلاطمة ) التمسك بطوق النجاة ، بمكارم الأخلاق التي جبل
عليها آباؤنا وأجدادنا فلا نترك للنفس وهواها بأن تأخذنا
بعيدا حيث الدمار و الخراب والفناء فنكون كمن أغرته الدنيا
وهي أشبه ما تكون ب (حية ) لين ملمسها قاتل سمها ، فلا
يهوي إليها إلا الغر الجاهل ضيق الأفق عديم الإحساس ولا
يحذرها إلا اللبيب المتبصر العاقل ، وصبر جميل آخر لنيل
مبتغانا ونصيبنا من الحياة الكريمة العزيزة حين تنطلق (
الفضيلة ) من انزوائها مشرقة الوجه و الأسارير متعافية
راضية هانئة تتلقفها الأيادي الطيبة لتبشر بخصالها وتتغنى
بجمالها وسحر دلالها ، فالصبر000 الصبر 000الصبر على
عاديات الزمان و قسوة الأيام وصولا إلى ما تحبه أنفسنا
وترضاه ضمائرنا وتقره مبادئنا وقيمنا وحضارتنا وأن طال
الزمان واشتدت علينا وطأة الأيام0
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جمع
حجل وهو الخلخال .
(2)
الأساور
(3) الهدية
نشرت
في جريدة الزمان / العدد 2114 بتاريخ 19/5/2005 (*)
▲▲▲
|