|
مشاهدة
متأنية للوحة إعلانية رفعت في بغداد (*)
قصة ترويها
لنا لوحة إعلانية كبيرة جدا علقت على أسطح أعلى البنايات
في شوارع بغداد الرئيسية ، تتضمن مشهدا مروعا لأرض جرداء
قاحلة ( متشققة التربة ) لضمأ أصابها ، وآثار وعلامات تشير
إلى حركة آليات و عجلات كانت قد توطنت ردحا من الزمن على
هذه البقعة ثم سلكت طريقها مبتعدة بشكل يوحي بحركتها للمضي
إلى حيث ( شجيرات نخل ) بدت في أقصى يسار الصورة ، وعبارة
من كلمتين اثنتين ( يمضون ونبقى ) توسطت اللوحة الإعلانية
التي تحكي أن قوات الاحتلال سترحل يوما عن أرضنا وسنبقى
نحن حيث نشأنا و ترعرعنا وأحببنا 0ولو نظرنا بإمعان لهذه
اللوحة ، وسبرنا غورها ودققنا في مشاهدها وأبحرنا في
أعماقها بثاقب البصر و البصيرة ، وحللنا مفرداتها بكل أناة
مستعينين بكبار أساتذتنا من خبراء الفن التشكيلي و علماء
النفس لظهرت لنا دلالات ومعان بعيدة تماما عن تلك التي
تعلن عنها اللوحة أو في أقل تقدير تظهر لنا باقي الدلالات
والمعاني التي غفلت عنها اللوحة الإعلانية حين ركزت على
المعنى المجرد لكلمتي ( يمضون ونبقى ) ، لنتخيل ما سنلقاه
في أرضنا بعد رحيلهم عن ديارنا ، ومن الاستنتاجات التي
تبرز للعيان بعد طول إمعان أن التربة ( المتشققة ) للأرض
التي ظهرت في اللوحة الإعلانية والتي كانت عليها الآليات
والعربات هي في حقيقة الأمر لأرض كان يمر فيها نهر رواها
ردحا طويلا من الزمن ولسبب ما جف ( ضرع ) النهر فأصاب
الأرض تشققا وتيبسا ، فتربة الأرض الصحراوية غير قابلة
للتشقق لأنها خاوية من الماء أصلا ، أما الأرض التي اعتادت
أن يسرح الماء بين ثنايا تربتها فيصيب تربتها الترهل
والكبر وتظهر الأخاديد على وجهها متى ما انقطع الماء عنها
وهذه لعمري أولى الاستنتاجات ، ، و وجود التربة والنهر
يحتم وجود أشجار وزرع في تلك البقعة من الأرض ( وهذه سنة
الله ومشيئته التي خبرناها فحيثما كان الماء وجد الشجر
والزرع ) في الوقت الذي ظهرت خاوية من الأشجار والزرع في
اللوحة الإعلانية وهذه ثاني الاستنتاجات ، أما ثالث
الاستنتاجات فأن هذه الأشجار التي يفترض وجودها في اللوحة
قد اختفت ( إلا من شجيرات نخل بعيدة جدا ) لاحتمالين لا
ثالث لهما ، أولهما كان بفعل مسير و حركة الآليات والعجلات
التي اقتلعتها أثناء مغادرتها الموقع فساد الخراب الأرض
وقضت على صور الحياة عليها فأمست أرضا قفراء قاحلة ألا من
ذرات تراب وأخاديد وآثار عجلات ، وثانيهما كان بفعل العطش
الذي قتلها فذوى عودها وجف ساقها واصفر ورقها واختفت من
الصورة وطمرت تحت التراب بفعل من سار فوقها جيئة وذهابا
جراء جفاف النهر الذي كان يرويها فيما خلى من الأيام ،
دعوة مني لكل من قرأ المقال أن يفتش عن هذه اللوحة
الإعلانية ويتبحر فيها ويقرأ ما لم يتسع المقام لذكره الآن
0
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(نشرت
في جريدة الزمان بتاريخ 15/5/2005 – العدد (2110 (*)
▲▲▲
|